الخميس، 6 مايو، 2010

البداية عند حدود معرفة المجهول..
ظفار.. السحر الذي في الناس وفي ذاكرة المكان
كل شيء في ظفار له قصة تستحق أن تروى. ولا بد أن تكون البداية عند حدود معرفة المجهول هكذا ظفار) [1] من يعرف ظفار لا يستطيع إلا أن يجعل لها نبضاً حياً من دقات قلبه. هكذا هي ظفار. تجد لنفسها دائما في سويداء القلب أعز مكان. ساكناً كنت أو ثائراً أو زائراً أو عابراً. ظفار أرض من كوكبٍ مختلف ونزق مختلف. أرض من قسوة وترف.ولي فيها طفولة تستحق أن أرويها..
عرس أمام بيتنا
غداً يوم الجمعة عرس ابن جيراننا. العرس سيقام أمام بيتنا. فرصة أخرى لمراقبة الكبار. استيقظت من الفجر قبل أن تصلي أمي، وانتظرت حتى أرى النور من شمسية بيتنا لأفتح الباب وأجلس على عتبة الباب أمارس هوايتي المفضلة. يااااه قدور كبيرة جدا هل سيطبخون فيها. لكن متى قام هؤلاء؟ كنت أحسب أني أول من أفاق من النوم في هذه الدنيا، ولكن هؤلاء الرجال كانوا أنشط مني. المهم أني أول من استيقظ من أطفال الحارة.منظر مريع. إنهم يذبحون البقر. أغمضت عيني لكني تذكرت فورا أنه من المعيب أن أخاف من الدم. فتحتها وأنا أرتجف من الخوف. لحظات وصارت الذبيحة شرائح لحم ألقي بها في تلك القدور حيث الماء المغلي. كم انفطر قلبي حزنا على تلك البقرة التي حاولت الهرب. ولكن طبعا هذا لم يمنعني من أن أكل من الوليمة، لقد نسيت حزني عليها وقت الغداء.رجال كثيرون يأتون جماعات يغنون بصوت واحد. يتقدمهم شباب يرقصون بسيوفهم. عذرا. لقد نسيت. الرجال لا يرقصون، ولا حتى النساء. الرجال يهبون، ويتبرعون. والحريم يلعبن. أما كلمة رقص فلا تليق بالظفاريين.المشهد الذي كنت أشاهده لأول مرة هو تلك الأكوام من النقود. لم أشاهد نقودا كثيرة مثل ذلك اليوم. كل من أتى من الرجال يذهب إلى ذلك الولد الجالس في مكان لا يغادره ممسكاً بدفتر وقلم. يسجل اسم الرجال الذين يعطونه النقود، ولديه حقيبة بنية امتلأت، وطلب من أحد الأولاد أن يناوله ذاك الكيس الأسود الذي امتلأ أيضا بالنقود.يبدوا أني لم أكن لوحدي أراقب ذاك المشهد. بعدها بفترة ليست بالقصيرة، أثقل كاهل أحد جيراننا بالديون. هو رجل متزوج وأسرته كبيرة. فما كان منه إلا أن تقدم لخطبة عجوز أرملة وافقت على الفور. وتكرر مشهد النقود الكثيرة. وفكت ضائقة جارنا العزيز.الآن سأذهب لمشاهدة النساء. فرصة أخرى لمراقبة الكبار. لم أعرف أيا منهن حتى من يناديني باسمي. مكياج كثيف غير الملامح حتى باتت النساء غريبات بالنسبة لي. يرتدين حلي مصنوعة من الذهب الذي لازالت تشكيلاته مختلفة تماما عن ما لدينا الآن. بدأ اللعب (الرقص). طبل النساء الأقدام والرأس، يتحركان في تناسق مع الكتفين وحركة اليد. أعتقد أنه بإمكاني صنع القنبلة الذرية من الماء، لكن من المستحيل أن أجيد هذا الفن الشعبي الرائع.
وسأترك لعبتي المفضلة
كبرت وصار يجب أن أودع اللعب، لكن طبعا للطفولة تأثيرها. قررت أن أكتب عن ظفار وسأفعل فلتوفقني يا رب.كانت البداية وأنا طالبة في السنة الثالثة في الكلية. الحديث عن الفكر الاجتماعي وأثره على التربية في مقرر الأسس الاجتماعية للتربية. طلب د.عبدالله (سوري الجنسية) منا عمل بحوث في هذا السياق وعرض المواضيع عليه قبل البدء في البحث. اخترت (الفكر الاجتماعي في ظفار) فرصة لتحليل هذا وذاك بمساعدة تراكمات السنين.. وكانت التقسيمة: ؟ فكر ما قبل الثورة.؟ فكر الثورة.؟ فكر ما بعد الثورة.لم أقصد تكرار كلمة الثورة ثلاث مرات ولم انتبه لذلك غير بعد أن لفظها الدكتور ثلاثا الثورة...الثورة...الثورة.ثم أخرج قلمه وقال: إذا أنا فقط أريد هذا فكر الثورة وبالطبع لكوننا في كلية التربية فيجب الحديث عن آثارها التربوية.بحثت عن كتب في مكتبة الكلية وفي النت لم أجد شيئا غير من منطلق ربط هذا بهذا وقياس هذا على ذاك. البحث عن كلمات يمكن أن توضع على السطور لا بد من الحشو ورغم ذلك لم أفلح. تشعبت القصص وكثرت الأحداث وبقي يومان على موعد تسليم البحث ولم أكتب غير صفحات وبعض القصص رغم كثرة ما يوجد في ذاكرتي. ذهبت للدكتور أطلب إمهالي فرصة أكبر قبل اختبارات نهاية الفصل وسألت هنا وهناك. ولم أفلح في كتابة سطر جديد ولا أعرف لماذا. ربما الموضوع أكبر مما تخيلت!بقي أسبوع على اختبارات نهاية الفصل استجمعت قواي
وذهبت لدكتوري لأقول له لا استطيع الاستمرار في البحث وبقي على الاختبارات أسبوع، لذلك أرجو أن تسمح لي بالكتابة عن ‘’أثر التلفزيون على نشأة الطفل’’ أو فإني فعلا لن أسلمك أي بحث. سألني بعض الأسئلة حول موضوع البحث السابق، ثم قال لا بأس احضري أثر التلفزيون ولكن بشرط أنا أعطيك فرصة أكبر للبحث وعليك الاستمرار. لم يأخذ بحث التلفزيون سوى يوم واحد سطرا من هذا الكتاب وسطرين من هذا وصفحات من النت انتهى البحث وتم التسليم وبقي البحث الأخر نهاية مفتوحة.
التنشئة الظفارية
تخرجت وعينت في إحدى المدارس القريبة من بيتنا. عدت لهوايتي المفضلة. مراقبة الأطفال وهم يلعبون. يتحدثون. ولكن هذه المرة أنا لست من سنهم.وأنا استمتع بتلك الهواية مرت نشرة من الإدارة مفادها أن من ترغب لتسجيل لدراسة الماجستير للعام المقبل عليها التسجيل في التاريخ المحدد وقائمة بأسماء جامعات توصي وزارة التربية بالانتساب لها. اتت زميلتي وقالت هل ستسجلي كان جوابي لا. فالانتساب صعب علي وأنا تعودت على الدراسة النظامية. قالت لن نخسر شيئاً لو سجلنا أسماءنا وأخذنا وقتنا في التفكير من الآن لشهر سبتمبر/ أيلول سبعة شهور وكان ذلك.ذهبنا لتسجيل وكتبت التخصص (علم نفس تربوي). قالت الموظفة وكانت أستاذتي في الثانوية: منى هناك فرع في أصول التربية اسم تاريخ التربية جميل جدا فقلت لها جيد وسلمت استمارة البيانات. خرجت وفي ذهني تاريخ التربية. تاريخ يعني قصصا وقفز فورا إلى ذهني ‘’الفكر الاجتماعي في ظفار’’ ومنه ‘’الفكر الاجتماعي لثورة ظفار وأثره على التنشئة التربوية’’ هذا أيضا كان جزءا من تاريخ التربية في ظفار ذاك البحث المفتوح.قصص الأطفال الذين يسيرون على أقدامهم يقطعون كل تلك المسافات من جبال ظفار ألم يكن جزءا من تاريخ التربية ألم تكن تجربة جديرة بأن تسجل ‘’التجربة التربوية لثورة ظفار’’ أضفت عنوان جديد للقصص الكثيرة التي في ذاكرتى وعدت أقضي يومي أشرح للتلاميذ أساسيات العلوم والرياضيات وأستمتع كثير بمشاهدتهم وهم يتحدثون يلعبون إنها هوايتي المفضلة.أولاد هدى سالممضت سبعة شهور وعامان دراسيان. حدثت أشياء كثيرة أضفتها لذاكرتي. المهم أنهيت بنظام الانتساب دراسة الدبلوم الخاص في التربية، وفي كل صيف كنت أحاول الحصول على مزيد من القصص حول ‘’التجربة التربوية لثورة ظفار’’. البحث المفتوح في تحول مستمر لأعرف هل استطيع الاستمرار. هل يمكن أن أضع له نهاية معي؟؟للأسف نفس المشكلات كانت تواجهني ولكن اليوم هي أكثر حصلت على عديد من القصص. أعجبت كثيرا بالسلطان قابوس، وبهدى سالم. أنت من أولاد قابوس أم من أولاد هدى؟ هذا سؤال يوجه لكل متعلم تجاوز الثلاثين في ظفار. كم حزنت حين علمت أنها توفت، وحتى أكون صادقة فقد كان أكثر حزني لأني فقدت أحد أهم مصادري البحثية. دخلت والدتي علي وأنا حزينة أمام شاشة الكومبيوتر. قلت لها هدى سالم ماتت. امتلأت عينا والدتي بالدموع وترحمت عليها، وقالت: لم أقابلها ولا أعرفها، لكن الله يرحمها، علَّمت أولادنا. عرفت أن الحزن الحقيقي يجب أن يكون على شخصية مثل شخصية هدى سالم (ليلى فخرو). توسع البحث أكثر. هدى سالم ويوسف طاهر وحسين موسى وعبدالوهاب وسعيد سيف . جميعهم من البحرين. يجب إذا أن أذهب للبحرين قبل تسجيل خطة البحث، لكن ماذا سأفعل؟ هل سأنزل لمطار البحرين وأسأل الناس هل تعرفون هدى سالم؟ ويوسف طاهر؟ وحسين موسى؟ وعبدالوهاب؟ وسعيد سيف؟.أم أترك هذا الموضوع وهو حل سهل التنفيذ؟البحث عن سعيد سيفقررت أن أبحث عن سعيد سيف. أعطاني أحد الذين لهم جزيل الشكر(قاسم) لبناني قابلته في القاهرة رقم هاتف بحريني وقال: قد يساعدك موسى الموسوي على ما أعتقد هذا اسمه. اتصلت به وقال لي: يمكن أرتب لك لقاء مع عبدالرحمن النعيمي. لم أكن أعرف أن اسمه الحقيقي هو هذا. فمن كانوا يخبرونني عنه، لم يكونوا يعلمون أن سعيد سيف (تشي غيفار العرب) هو عبدالرحمن النعيمي، لذلك لم أعاود الاتصال به. فقد كنت في روح معنوية كباحثة لا أحسد عليها. سأفشل للمرة الثانية في هذا البحث حتى لو غيرت العنوان. لا أمل لهذا البحث في نهاية. بعد شهر أو أكثر أو أقل قررت العودة للبحث عن سعيد سيف. وصلت لموقع إلكتروني كان بالنسبة لي كنز. فيه اسم سعيد سيف وصورته لم يعد مجرد بطل في قصص تروى لي. ها هو حقيقة أراها أمامي. سجلت في ذاك الموقع رغبتي الشديدة في أن أصل لسعيد سيف. هل يوجد من يساعدني على ذلك؟ يوم. يومان. فتحت إميلي لأجد رسالة من فتاة تقول أنها بنت سعيد سيف. وترسل لي رقم هاتفها وهاتف والدتها ورضي الموسوي. لكنها كانت تحمل خبراً غير: سعيد سيف في غيبوبة.تلك كانت الصدمة الأولى. لن ألتقي البطل. أما الثانية، فهي اسم الفتاة: أمل عبدالرحمن النعيمي. يعني سعيد سيف هو عبدالرحمن النعيمي. أوووه. لكن أمل أعادت لي الأمل في أن يكون لهذا البحث نهاية.أبطال ظفارتفاصيل كثيرة ساهمت فيها أمل. تعرفت على أحد أبطال قصصي والنهايات المفتوحة.حسين موسى شخصية رائعة اخلاص منقطع النظير ومبادئ وضمير هذا هو حسين موسى (عبدالنبي العكري) أبو منصور أحد أبطال القصص التي تروى في ظفار...معه تشعر أنك جزء من أسرته فأسرة أبومنصور أكبر مما قد يتصور المرء أنها من المحيط للخليج هذا هو أبو منصور بطل قصص تروى في ظفار.وشخصية أخرى بطل آخر يوسف طاهر كرم نبل ثقافة اتقان لفن الحديث. تلاميذه يحبونه كثيرا يتذكرونه حتى الآن هو بالطبع وأستاذة اللغة الانجليزية نادية وابنهم محمد، فالجميع هناك أساتذة وتلاميذ أسرة واحدة. ((والأستاذ يوسف طاهر يعرف يتكلم جبالي)) كثير من تلاميذه قالوا ذلك بفرحة منقطعة النظير وعرفت أنه مازال يتذكر كثير من مفرداتها. وتفاصيل أخرى تبرهن أن الرجل يستحق أن يكون فعلا أحد أبطال القصص التي تروى في ظفار.عبدالوهاب (نوح عبدالعزيز) هل عرف البحرينيون عبدالوهاب؟؟ أم أنه كان حكرا على قصص تروى في ظفار. نموذج رائع للشخصية البحرينية. كم تمنيت لو مثله فقط اثنان في أي مكان من العالم.راشد علي (صديق الماجد) تحدث كثيراً عن بطولات زملائه البحرينيين وغيرهم. لكنه لم يتحدث عن نفسه. هؤلاء هم العظماء. عرفت منه كيف أن ليلى فخرو أنبل مما يمكن أن يصورها أكثر تلاميذها تعلقا بها. لكني عرفت أيضا أن صديق الماجد رجل من عصر الفرسان تحسد على مثله البحرين.وهناك راشد آخر قطع مسافات شاسعة وقرر العيش في تلك الحياة لان بداخله نفساً عظيمة مثل سائر البحرينين الذين قابلتهم، عرفت منه أن اسمه محمد، لقد استغرق في ذكرياته الجميلة. في انضمامه للظفاريين أيقنت منها أن الحدود ما هي إلا خطوط وهمية.لو كنت طالبا في كلية الطب في السنة الخامسة وناجح ولك البشرى بمستقبل مشرق، هل ستترك لكل ذلك وتختار الذهاب إلى ظفار التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة؟. فقط كل ما يهمك علاج الجرحى والمرضى. فعل ذلك أحد أبطال القصص التي تروى في ظفار. إنه أحمد الخياط. كم هم رائعون هؤلاء البحرينيون.