الثلاثاء، 26 أبريل، 2011

مصلح على العرش






مصلح على العرش،،،

"انتهت اللحظات التي أمضيتها و أنا أتأمل في الاستعارات و التشبيهات و الشاعرية. وكان النهار قد احترق،و النجوم تناثرت في قبة السماء. وسيارة الجيب تنزلق ببطء على الدرب المتموج غير المعبد وتلقي بأضواء مصابيحها نورا على الفضاء الصخري المكسو بشجيرات متباعدة.فجأة أطفئت مصابيح السيارة،لكنها واصلت طريقتها وسط الظلام مهتدية بأنوار مصابيح أخرى تومض من بعيد.وتوقفت أخيرا.نزلنا
في الظلام بدت أبعاد الخيمة بقمتها المدببة،و على المضاء ظليلة من قماش سميك مؤطر بأشرطة مهذبة.وتحت الظليل بساط تنتصب عليه قامة رجل في دشداشة بيضاء. ملامح وجهه لا تزال غامضة،اللهم إلا اللحية القصيرة الشيباء التي تؤطر محياه.
شد السلطان يدي بود.و ألقى عليّ تحية دافئة مرحبة.و انطبعت على شفتيه ابتسامة خفيفة. و ما أبعد الشبه بينه وبين مئات الصور الفوتوغرافية التي كنت أحدق فيها بانتباه على صفحات الكتب و المجلات و الجرائد.إنه أكثر فتوة من كل تلك الصور بعشر سنوات في أقل تقدير.فما من صورة فوتوغرافية أو شريط فيديو بقادر على تجسيد تلك الحيوية،وحضور البديهة،و لمع العينين،ونبل الإيماء و الالتفاتة و الإيحاء."
[1]

تلك السطور السابقة كانت من كتاب "مصلح على العرش" للكاتب الروسي سرجي بليخانوف، أهدي لي هذا الكتاب قبل شهور و الحق أني عندما استلمتهه تصفحت صفحاته و كنت في قرارة نفسي أقول لن يعرف الروسي عن جلالته أكثر مني، فوضعت الكتاب في مكتبتي الخاصة معتزة بالصورة الجميلة لجلالته –حفظه الله- و بالهدية،قبل أيام قررت أن أخذه معي لأضعه في مكتبي فعدت لأقلب صفحاته و لكن هذه المرة شدتني الصفحات للقراءة فقد بدا لي أني أمام نوع مختلف من الكتب و بدأت اللغة و التفاصيل الجميلة تشدني و غدوت أذهب به للعمل و يعود معي لأقضي في قراءته أجمل الأوقات إنه كتاب خرج من رحم قصيدة وضياء فكر يتأهب لسرد ملحمة

أحيانا كثيره أعيد قراءة فقراته مستمتعة وكأني أقرأ أبيات شاعرية و أحيان أخرى تعتريني رغبه دفينة في البكاء،لقد كان الكاتب موفقا جدا في كل حرف و كل كلمة نقلتها لنا الترجمة للعربية ليجعل من هذا الكتاب صديقي الحميم في هذه الأيام العصيبة لقد دفعني هذا الكِتاب للكتابة عنه قبل حتى أن أنهيه و أشعرني أني ارتكبت جريمة في حق نفسي بأن حرمتها من متعة قراءة هذه اللوحة الخلابة بكل هذه الشاعرية.لابد أن المؤلف مفكرا يعرف كيف يقرأ التفاصيل و هو أيضا روائي يعرف كيف يشدك بكلمات تبدو كقصيدة.

طبعا هي ليست فقط دعوة لقراءة الكتاب لكن هي وقفة عند مفهوم جميل قدمه المؤلف بفكره النير بين ظلال السطور و إيماءات الحروف لقد قدم الكاتب جلالة السلطان-حفظه الله وأيده- في كل الفقرات ليس كسلطان و حاكم لبلاد بل كإنسان في قمة الانسانية و رجل مصلح يعتلي عرش. ورغم أن الصورة النمطية تدفعك للاعتقاد أنك أمام نموذج يعدد منجزات عهد النهضة بالطريقة التقليدية المعتادة إلا أن الكاتب يشعرك طول فترة القراءة أنك تقرأ قصيدة لا تمل من تكرراها ليضعك أمام تحدي ماذا أضاف لي الكتاب؟ لتجد نفسك أمام كم هائل من المعلومات التاريخية و السياسية و الفكرية والأدبية ليس لجلالته فقط بل للتاريخ حيث ما كان وحل.

لقد قدم الكتاب جلالته كمصلح – وشتان بين مفهوم الاصلاح لدى الميكانيكون ومفهوم الاصلاح لدى المفكرون- لقد أكد الكاتب أن جلالته من المصلحين الذين يعني الاصلاح في أفعالهم عملا يتعدى مفهوم التطوير بحيث يصبح الاصلاح مرتبة أعلى بكثير ليصل لتلك الرتبة التي تليق بجلالته-حفظه الله وباركه- و التي تجعله مصلحا على العرش و ليس مصلحا للعرش و ليؤكد أن وجوده على عرش عمان هو رمز لبقاء واستمرارية عملية الاصلاح و انتصارا لها كلما دعا داعي لذلك.وليقول محظوظة هي تلك البلاد التي يعتلي سدة الحكم فيها مصلحا.ففي صفحة 247 من الكتاب يقول الكاتب " لم يكن العمل في محو الأمية بين السواد الأعظم من السكان وفتح المدارس لتعليم الجيل الناشئ مجرد اتجاه من اتجاهات التطوير التصاعد في عمان.وإنما درجة في سلم اصلاح النظام السياسي للبلاد" يضعنا هنا الكاتب في قلب الحقيقة وهي أن كل عملية تطوير في مجال معين ما هي إلى درجة واحدة في سلم الاصلاح الذي لن ينتهي فالمصلح –حفظه الله ورعاه- يعتلي العرش.
ويختم الكتاب بفقرة أقرب لكونها قصيدة "من استطاع بلوغ تلك الأهداف وقع عليه اختيار التاريخ ليكون زعيما و موجها و حكيما. وصارت الأجيال اللاحقة تفتخر بهؤلاء الزعماء و الحكماء،و باتت صورهم رمز للكرامة الوطنية و العزة و البطولة.وتمر القرون و السنون و العقود،ويمتع شعراء العصور القادمة أنظارهم بلوحات البحر المتكررة أبد الآبدين ويحدقون فيها ساعين لاكتناه مغزى الملحمة الشعرية اللامتناهية التي نظمها الموج،ويبحث الواحد منهم،مثلما نفعل نحن الآن،عن مفتاح أو سبيل يوصلنا إلى صورة الابن البار لهذه الأرض المعطاء،ذاك الذي غير معالمها و عدّل بناءها على تخوم الألفيتين الثانية و الثالثة...... "




[1] سرجي بليخانوف،مصلح على العرش:قابوس بن سعيد سلطان عمان،ص307