الجمعة، 7 مايو، 2010

عن الحوار والتكفير وثقافة التسامح





عن الحوار والتكفير وثقافة التسامح



منذ أيام الصغر وقبل ظهور الأطباق الفضائية، وانتشارها كنا نجلس أمام شاشة التلفاز لنستمع إلى وعظ سماحة العلامة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، وما لبثنا إلا قليلا وظهرت وانتشرت تلك الأطباق كاشتعال النار في الهشيم، فكان من بين جميع المشايخ الذين يظهرون في التلفاز يشدني ويعجبني الشيخ عائض القرني بل كنا في الثانوية نتبادل تسجيلاته وصوره حتى، وكنت سعيدة جدا بأن الأمة الإسلامية لاتزال قادرة على إنجاب مجددين بعيدين عن الهوى أمثال القرني والخليلي، ويشهد الله كم أحب الشيخان في الله جزاهم الله عنا وعن الأمة الإسلامية كل خير.ولزمن كنت سعيدة جدا بهما ولا أجد أي تناقض بين محبتي للخليلي ومحبتي للقرني، بل واعتبر الشيخان وجهان لعملة واحدة وهي الدعوة الإسلامية الوسطية المعتدلة، حتى كانت الصاعقة، حيث قالت لي احداهن صاحبك وشيخك الجليل الخليلي يقول أن 'أهل الكبائر كفار' وأنت تقولين أن التكفير ليس من أصل الدين، وتصفين الخليلي بالرجل السمح الذي يجمع المسلمين ويلتمس الأعذار للناس، فكيف يقول أن شرب الخمر وهو من الكبائر كفر، والزنا وهو من الكبائر كفر، وقد شرب الناس الخمر في عهد الرسول (ص) وزنوا وسرقوا فأقام عليهم الحد وما وصفهم بالكفار، فكيف يستقيم ذلك؟، كان جوابي لها أن هناك فرق كبير بين ما قال الخليلي إذا صح ما نسب إليه، وبين التكفريين، فالتكفيريون يكفرون شريحة كبيرة من المسلمين لمجرد اتباعهم مذهب معين فيكفرون الناس على العموم لا الخصوص، يعني لا يتحرون في المسألة طبيعة أعمال الفرد فهذا كافر لمجرد أنه على مذهب معين، فيجعلون الأمة الإسلامية وهي واحدة فرقا يخرجون بعضها ويدخلون البعض الآخر، أما الشيخ الخليلي حفظه الله فلم يفعل ذلك بل كشيخ مجتهد رأى أن أصحاب الكبائر كفار بأفعالهم لا بانتمائهم فقد يكون مرتكب الكبيرة اباضي أو سني أو شيعي والحكم عليهم على السوء، أما لو أردتي الحديث عن الحجج الفقهية فلست فقيهه، أنا معنية فقط في هذا المضمار بالأفكار والفقه مهمة غيري، فكان جوابها لن أناقشك في الفقه لأني أيضا مثلك ولكن ما رأيك في الشيخ عائض القرني، وهي تعلم رأيي فيه وأنا أعلم تحفظ بعض شيوخنا على أرائه، ولكني أجبتها أحبه في الله، فسألتني هل سمعتي محاضرته 'مبشرون لا منفرون'؟! شيخكي القرني يصف شيخكي الخليلي بالمبتدع، لتكفيره أصحاب الكبائر. في البداية وقع الخبر على وقع المصيبة الجلل وذهلت ولكن بعد صمت لم يطل، اجبتها صدقيني لو التقيا لأحباء بعض. مضت الأيام وكان لمركز السلطان قابوس للثقافة الاسلامية، ولأمينه العام سعادة حبيب بن محمد الريامي، دورا في حركة ثقافية تنويرية نلمسها ونشهدها بأم العين من خلال الفعاليات الثقافية التي جعلت من عمان قبلة الوسطيين والمتسامحين، وهنا يجب أن لا ننسى أن للسيد علي بن حمود البوسعيدي بوجوده على رأس ديوان البلاط السلطاني الذي يستلهم فكر الاعتدال والوسطية من نهج السلطان قابوس حفظه الله، دورا في دعم وتبني ونشر مثل هكذا ثقافة وفكر راقي نفخر كعمانيين به كجزء من كيان الإنسان العماني على اختلاف مذاهبنا الدينية، وجميعنا نعترف لهم بالفضل ونحضهم على الاستمرار في ذلك النهج كما عودونا، ويجب أن نثني على الحكومات التي تسيس السياسة لخدمة الفكر كما هو في عمان لا التي تسيس الفكر لخدمة مصالح الساسة كما للاسف في كثير من الدول العربية والاسلامية. فلقد كان لديوان البلاط السلطاني ممثل في مركز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية فضلا في التقاء العلامتين الجليلين الخليلي والقرني، ولكن السؤال هل بعد اللقاء أحبا بعض؟ أم تبادلا العتب والتهم ودخلا في جدل كما يفعل غيرهما؟في محاضرة القرني 'مبشرون لا منفرون' قال:'قرأت من قريب كتاب الحق الدامغ، وهو للخليلي من عمان، واكتشفت فيما بعد أنه خارجي، وأتى بأهل المعاصي فأخرجهم من الملة جملةً وتفصيلاً، ولو سرنا على قاعدته، لخرجت دول الخليج من الإسلام ولم يبق أحد، وهذا المنهج خارجي بحت، والرجل في كتابه مبتدع' ولكن بعد أن حدث اللقاء وتقابلت والوجه وكان فكر الحوار وساد نهج التسامح ماذا كان؟ قال القرني في مقاله المعنون 'تحية لسلطنة عمان' والمنشور في جريدة الشرق الأوسط (الثلاثـاء 29 جمـادى الثاني 1430 هـ 23 حزيران/يونيو 2009 العدد 11165):'وزرنا سماحة الشيخ أحمد الخليلي مفتي عُمان فضيّفنا ضيافة لا يفعلها إلا حاتم الطائي وأمثاله مع البِشْر والسماحة والتواضع وبسمة المحيا..... وكان الحديث عن ضرورة توحيد الخطاب الإسلامي والعمل المشترك، ومد جسور التواصل، وفتح أبواب الحوار، ونبذ الفرقة والخلاف والاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والحرص على وحدة الأمة الإسلامية، والمحافظة على هوية الأمة، والسعي إلى رقيها ومجدها، وإرسال رسالة موحدة إلى العالم على منهج الاعتدال والوسطية، وذم التطرف في الدِّين والتحلل منه وبعث تراثنا العربي الأصيل في الأدب واللغة، وإحياء روح رسالتنا الخالدة، والعودة إلى الدليل وطلب المعرفة والتزود من العلم النافع في كل مجال، ولم نجد خلافا ولا معارضة، وإنما وجدنا رقي التعامل وحفاوة الاستقبال ونداوة المشاعر وأريحية الطباع، ووجدنا في عُمان عبق التاريخ ونقوش الحضارة وآثار الماضي مع الأخذ بوسائل العصر الحديث في خطى ثابتة مدروسة محسوبة، أشكر هذا البلد الشقيق فردا فردا، فسقى الله عُمان الغيث المدرار، وجنبها الأخطار، فكل بلد إسلامي هو قطعة من قلب الأمة، فكيف إذا كان عربيا وأهله كرماء أوفياء شرفاء، وكلما زرتُ بلدا أو دولة زادت قناعتي بقرب الناس، فالكلمة الطيبة والخُلق الجميل والمنهج الوسط هو السحر الحلال، وأنك متى ما نهجت منهج القرآن نجحت وأفلحت قال تعالى: 'ادْفَعْ بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ'.
مشكلتنا نحن المسلمين تكمن في أننا لا نتقابل لنتحاور بل لنتجادل ونتبادل التهم من بعيد، ولو التقينا لأحببنا بعضنا البعض ولساد نهج الوسطية وروح التسامح، فمرحبا بمثل هذا الفكر قدمه الساسة وعلماء الدين في عمان، ومرحبا بكون عمان قِبلة أهل الوسطية والتسامح، وشكرا لشيخينا اللذين ضربا أروع مثال أن لا حقد (فعل الخليلي)، وأن لا تعنت وتحجر (فعل القرني)، وأن الآراء تقبل الأخذ والرد، والاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، وقد جبل الله المسلمين على المحبة لا على الكراهية، وكم نحن بحاجة لعلماء دين كالخليلي والقرني، وكم نحن بحاجة ماسة لساسة يؤمنون بنهج الوسطية ويخدمون ثقافة التسامح كما هو الحال في عمان، فما أقبح أن يكون علماء الدين مطية لساسة، قلوبهم لا تعرف إلا الأحقاد والمصالح الذاتية.
رابط المقال