الخميس، 6 مايو، 2010




رسالة إلى مطرح

لم تخطري لي على البال ولا على الخاطر و لم أحسب أني سأصل بك حد الوله و سأنتزع شئ من وجداني من بين زقاقك الضيقة و أنا أغادرك في ذلك اليوم و إلى اليوم لا زال يهرب لزقاقك وميناءك جزء مني فأعيده ليعود و يهرب خلسة في غياهب الأضواء الخافتة والروح المبتهجة إليك يا مطرح!!!
على كرسي مقابل ميناءك القديم جلست ساعات أستنشق عبقكِ، وأتنفس موجك الهادئ،واسنسخك لوحة خلابة في حنايا الروح،استعيد معك يا مطرح ذكريات الطفولة وضحكات البراءة و أغنيات عذبه رددناها لكِ،في حارات و زقاق جنوب الوطن الغالي.لا تذكريني يا مطرح ولا تعرفيني ولكني كنت يا مطرح في كل المواسم في ظفار أغني لكِ ولبوابتك مع أطفال الحارة "دروازة مطرح تمشئ وتطرح.. تمشئ وتطرح" لا يمنعنا يامطرح برد الشتاء القارص ولا لهيب القيظ ولا يا مطرح الخريف و رذاذه من الغناء لكِ،كنت يا مطرح بالأمس كلمة في أغنية و اليوم أنت جزء من ذات تبحث عن دواء لنزيف الجروح.
نسيت في زقاق سوقك القديم الذي امتلاء بوجوه غريبة و بناسٍ كُثر من ثقافات مختلفة،نسيت أني لم أكن وحدي كنت مع صحبة كانوا،وكن، يبحثون عني، ضنوا يا مطرح أنهم ضيعوني وخافوا علي من الضياع وأنا أزورك لأول مرة!! معذورون هم يا مطرح لا يعرفون قصتي معك،لا يعلمون أني مع عبقك ضيعت العالم نسيت الحاضر وألغيت المستقبل وتجاهلت الماضي فكنت يامطرح لحظة مسروقة لعمري من عمر الزمن، ونبض صادق من حس وطن.
كان الباعة ينادونني يعرضون بضاعتهم ولها يروجون،و يلفني أصواتهم و الضجيج ،ولم يكن كل ذلك ليكسر خلوتي بكِ يا مطرح،كل الشوارع رغم الزحام كانت فارغة،لم أعد أرى أي أدمي لا يوجد غيري وغيرك يا مطرح،تارة أنظر لترابك فأتمنى أن أخلع نعلي و أمشي في شوارعك حافية القدمين،واتمنى لو تدميني حصاة منك أو شوكة أو زجاج مكسور فألون ثراك بشيء من دمي لأترك لكِ ذكرى مني وأنا أحملكِ في خافقي ككتاب مقدس!!،وتارة أنظر لسماؤك فأتخيل نفسي بين سحبها أغني لك يا مطرح وأسقيك بالمطر!!


موجك يا مطرح هادئ، رونق سحر رباني،سفينة خشبية قديمة الطراز راسية في ميناؤك القديم جعلتني أغني يا "مركب الهند يا بو دجلين ياليني كنت ربانك...لك قسم في قسم في قسمين ولك قسم زايدن عن أخوانك" قبل سنين من كتابة هذه السطور وبعد زيارتي لكِ قررت يا مطرح أن اشتري بيتا قديما فيك كنت على يقين أني لن أسكنه لكني كنت فقط يا مطرح أريد أن أمتلك شيئا منك،كانت مجرد أمنية لقلبٍ عاشقٍ اصطدم بجدران الواقع ولفقت ضده تهمة الغباء ،فلم أمتلك فيك شيء،ما ملكتك يا مطرح ولكنك ملكتني إلى الأبد،حتى وأنا في تلك المجمعات الكبيرة،كنت أغمض عيني لأرى ميناؤك القديمة وبحرك الجميل وسوقك المليء بالذكريات، كلها تمر كشريط سينمائي على أغنيات الطفولة فأبتسم وأضحك وتمتلئ عيناي بالدموع،يا ترى هل تحبني مطرح مثلما أحبها؟؟ بل حسبي أن تحبني مطرح عُشر ما أحبها، وحتى إذا لم تحبني مطرح فسأظل أحبها.
قدرك يا مطرح دائما الحصار،وصامدة أنت يا مطرح في وجه كل الأزمان والأهوال،قديما يا مطرح كان السور قيدا لم ينل من حريتك وانطلاقك،واليوم يا مطرح أبنية من اسمنت وفولاذ خنقت موجك، أين يا مطرح رمالكِ؟! ما بال شاطئك خالي من حبات الرمال؟!
كيف يا مطرح سمحتي لهم أن ينالوا من طهر شطك الجميل؟! لما الصمت يا مطرح و أنّا مع زفراتك اسمع صدى الأنين!! موجوعة أنتِ يا مطرح؟! مجروحة أنتِ يا مطرح؟! هجروكِ جميعا يا مطرح؟! صورتي لبعضهم كعجوز شمطاء قبيحة لا تمت لهم بصله؟! لا عليك يا مطرح لا تصغي لهم لا تحزني أبدا،أنّا هنا بجوارك تسكنيني إذا لم أسكنك، أحبك أقدرك، أعرف يا مطرح من تكونين، وإذا غبتُ يا مطرح فطائر النورس عنك لن يغيب ونسمات من جنوب يهفو إليك ستصل لتوصل لكي صوت أغنياتي لك يا مطرح!!
لا عليك يا مطرح إذا هرعوا عنك مهرولين اليوم، و قد وصلت الكروش للأذقان، أنا.. وطائر النورس ..وتلك الغيمة والشط والموج نعلم يا مطرح أن ميناؤك قد أطعم أفواه الجائعين في عجاج السنين،وإلا لماذا أنتِ من بينهن جميعا وصلتي لي في أعالي جبال الجنوب الشامخة!!
تلك الجبال في ظفار، والموج المتلاطم والحواري القديمة كلها غنت لكِ يا مطرح!! كلها تألمت لألمك يا مطرح أمهاتنا غنت لكِ،جداتنا غنين لكِ، وها أنا ذا يا مطرح أغني لك، دعيهم يا مطرح و لا عليك أنت مني يا مطرح وأنا منك.
كنت يا مطرح بوتقة انصهرت فيها الأعراق و الحضارات، ورغم السور والقدر المقدور أثبتي يا مطرح أنك لا تهزمين وأنك يا مطرح تبنين و لا تهدمين،علمتي يا مطرح من يسكنك كيف يدمن الطموح،كنت يا مطرح حاضنة و لم تكوني نابذه،فدعيهم يا مطرح كـــــــــــــــــلهم سيرحلون وستبقي أنت يا مطرح!!!
ذاكرتك يا مطرح مليئة بالذكريات،صدى ضحكات وآهاااااااات، ولكنها ليست كأي ذاكرة هي تتسع أكثر كلما أضيف لها من صدى السنين،لمن تحنين يا مطرح؟! لمن تشتاقين يا مطرح؟! هل تعرفين ذلك العجوز الذي يجلس مثلي يرمق موجك بعينين يسكنهن الحزن؟! ربما تعرفينه ويعرفك؟! ليته يا مطرح يعيرني من ذاكرته كل ما يخصك،أريد أن أعرف عنك كل شيء أدق التفاصيل حتى تلك التي في ذاكرة و خيال غيري!!!
هيا يا مطرح تكلمي قولي أني اسمعك،انطقي يا مطرح وقولي فقلبي قبل أذني سيصغي لكِ، لا عليك يا مطرح إني أصدقك وأكذب الجميع،لا عليك يا مطرح فمذ كنت لا أصغي للعواذل وقلب إذا أحب لا يكره،قولي يا مطرح ولا عليك، نعم يا مطرح...نعم هذا الوطن يتسع للجميع،نعم يا مطرح ابتسمي فهذا الوطن لا يضيع أو يبيع،لما سكتِ؟! لما هذا التجهم؟! لم عدتي للصمت ألا تعلمين أن الصمت يقتلوني؟! كفى يا مطرح أعلم جيدا ماذا تريدي أن تقولي ولكني مثلكِ خنقت عبراتي كلماتي!!
سأقطف لكي وردة متحدية كل القوانين،سألقيها لموجك هدية أعبر بها عن ولعي بك قبل الرحيل،الله ما أجمل ابتساماتك يا مطرح!!