الخميس، 6 مايو، 2010

التجربة التربوية لثورة ظفار
في سلطنة عمان (1992-1969)
من استقلال ظفار إلى وحدة الجزيرة العربية
الحلقة الثانية
حارب الثوار القبلية من خلال مظاهر سلطتها في المجتمع والتي تمثلت في:.1 ملكية الأرض..2 عدم تزويج بنات القبائل للفئات الأخرى من المجتمع..3 الترفع عن الأعمال اليدوية..4 امتلاك العبيد..5 حمل السلاح.وكان على الجبهة الشعبية - وهي الممثل الرسمي للحركة الثورية - أن تسعى بادئ ذي بدء بمحاربة هذه المظاهر وبسحب الامتيازات القبلية.«في المؤتمر الثالث العام 1971 استطاعت الثورة أن تخرج بقرارات كان لها أثر كبير في التغلب على مشكلة الحروب القبلية، ومن أهم هذه القرارات: إلغاء الملكية القبلية للأرض والمراعي والمياه، وتحويلها إلى ملكية عامة للشعب» (10).لم يكن تطبيق هذا القرار سهلاً. «اصطدمت الجبهة مع عدد من كبار السن وشيوخ القبائل الذين رفضوا مبدأ الأرض للشعب، وأصروا على أن الأراضي ملك للقبائل... ويكاد يكون عقاب الثوار قد طال كل بيت في الريف الظفاري وليس كل قبيلة كما يقال»(11).لكن المبدأ رغم العنف الذي استُخدم لتنفيذه حقق نوعاً من العدالة وحقن كثيراً من الدم فقد كانت أغلب خلافات القبائل والحروب القبلية على حدود الأرض وموارد المياه، وأزال هذه الخلافات مبدأ الأرض ملك الجميع أو الشعب، كما كان يقول الثوار.ولم تعمل الثورة في محاولاتها على تطبيق مبدأ المساواة بين أفراد المجتمع في إطار قرار الملكية للشعب بواسطة العنف فقط، بل كان جيش التحرير الشعبي واللجان المحلية وبرامج الحلقات السياسية تعمل في خط موازٍ لاجتثاث القبلية من الريف الظفاري.وقد تم توزيع السلاح على الجميع رجالاً ونساءً من أبناء المجتمع ككل، وكان التحدي الأكبر هو تزويج بنات القبائل ممن هم ليسوا من فئات القبائل.. تذكر إحدى النساء «بعد حلقات الدروس في محو الأمية والتي تعقب بالتثقيف السياسي، كان الحديث عن القبلية والتفرقة العنصرية بين أفراد المجتمع، وكان واضحاً على النساء التأثر بالحديث والاقتناع به، وبعد فترة سمعنا بإحدى بنات القبائل التي كانت من أسرة معروفة تتزوج أحد العبيد المملوكين سابقاً لقبيلتها، وقد أقامت الثورة عرساً دعت إليه كل المواطنين، وعلم أخوها بأمر زواجها وكان يهدد ويتوعد ويقول إن الزواج غير جائز؛ لأن أسرتها غير موافقة.. (12).كانت الثورة تحاول تغيير المجتمع وفق ثوابت محددة مسبقاً ومبنية على أساس الفكر الاشتراكي، وقد استخدمت لذلك الكثير من الوسائل لتحدث تغييراً نوعياً تربوياً في المجتمع.القضاء على سلطة القبيلة بالمدارسيذكر أحد تلاميذ مدارس الثورة أنهم كتلاميذ كانوا ضد سلطة القبيلة والامتيازات الممنوحة للقبائل الأرستقراطية، فهو يقول «من شدة كثافة الدروس التي تلقى علينا عن أن النظام القبلي نظام ظالم وطبقي ويجسِّد الرجعية والتخلف، تولدت لدينا قناعة داخلية ألا نكتب أسماء قبائلنا، بل نكتفي بالاسم الثلاثي أو الرباعي من دون ذكر القبيلة، فلم تجبرنا الجبهة على ذلك، بل نحن فعلنا ذلك عن قناعة، وبعض زملائنا كانوا يكتبون أسماء قبائلهم ولا ضير في ذلك، وعندما حصلتُ على بعثة دراسية لسوريا كانت الاستمارات في سوريا بها خانة لاسم الأسرة أو العائلة ومن قناعتنا أنا وكثير من زملائي لم نكتب اسم العائلة وقلنا: ليست لنا عوائل أو قبائل.. لذلك فقد وضعوا اسم أبي في خانة العائلة، والآن أنا أحاول تصحيح الاسم في شهادتي؛ لأنه لا يتطابق وأوراقي الثبوتية»(13).وتذكر إحدى التلميذات «كنا نفرح كثيراً إذا سمعنا أن إحدى بنات القبائل تزوجت من خارج فئة القبائل الأرستقراطية، ونعتبر ذلك دلالة على أننا نتطور ونحقق العدالة الاجتماعية، وسنتخلص من نظام لم يمثل سوى الظلم والكسل»(141).ثورة الإمامة: مفهوم قبلي بالنسبة للثواروهم - الثوار في ظفار - في تحليلهم لأسباب فشل الثورة العمانية «ثورة الإمامة» (1958 ـ 1958) يقولون «كانت الجماهير العربية مستعدة للمساندة وتقديم كل إمكانات الدعم للحركة العمانية في سائر إمارات الخليج العربي وعمان.وكانت الجماهير العمانية مستعدة للبذل والعطاء ومقارعة الاستعمار البريطاني ورافضة للاحتلال.. وعندما وجدت القيادة الإقطاعية التي سلمت زمام الأمور لبريطانيا، وبعد سقوط نزوى كانت الجماهير مازالت مستعدة للنضال ضد الإنجليز.. ورغم استمرار الثورة أكثر من سنة ونصف السنة في ظل القيادات الإقطاعية في الداخل.. ورغم الدعم الجماهيري الواسع، فشلت الثورة في تحقيق أهدافها التي أعلنتها وهي طرد الإنجليز من عُمان. واستطاعت بريطانيا أن تهيمن على عُمان.. كان الأئمة من موقف طبقي يعززون النظرة الدينية (15).فلقد كان الثوار يُرجعون فشل ثورة الإمامة لكونها جزءاً من النظام القبلي الطبقي، رغم أن الإمامة ثورة قامت من المنطقة الداخلية في عُمان تطالب بتطبيق الحكم الإسلامي وتحرير عُمان من الاستعمار ولا تؤمن بالحكم الوراثي - وقد كان ثوار عُمان الداخل على المذهب الأباضي أي هي حركة ثورية مذهبية، ورغم ذلك يمكننا القول «إن الأباضية أول «حزب جمهوري» في الإسلام(16)، حيث لم يقروا بمبدأ أن الحكم يكون محصورا في آل البيت وكانوا يرون أن قرار اختيار الحاكم يعود لاختيار الشعب من حيث الأفضلية».هذه الفكرة السياسية التي قام عليها المذهب الأباضي بعيداً عن التفاصيل الفقهية الدقيقة في العبادات والمعاملات، هي التي جعلت جبهة تحرير ظفار ترى نفسها جزءاً من حركة الإمامة رغم الاختلاف المذهبي، وكان قادة الثورة مثل مسلم بن نفل وممثله مسعود سالم جعبوب «خنتور» يلتقون الإمام في السعودية.إلا أن الثوار الجدد في ظفار بعد مؤتمر حمرين كانوا يرون الإمامة جزءاً من الحركة الإقليمية والرجعية في عُمان وبأنها رمز لتكريس النفوذ القبلي وعزل الوطن عن محيطه الأكبر الذي هو الوطن العربي ككل.ومن هنا كانوا يحللون وينشرون ذلك في أوساط الجماهير، كانت لديهم قناعة كبيرة بأن الحل هو في إلغاء النظام القبلي ووحدة الجزيرة العربية، ولأن النظام الإسلامي الوحيد المطروح في الساحة العمانية هو نظام الإمامة الذي كان يتحدث فقط عن عُمان وفي بعض الأحيان عن عُمان الداخل فقط، فقد تولد لديهم إحساس بأن الحكم الإسلامي يعزل عُمان عن الوطن الأم وما هو إلا حركة إقطاعية متخلفة.ففي حديثهم يربطون الهزيمة بوجود قيادة قبلية أو كما يسمونها إقطاعية، فهم يقولون إن نزوى احتلت من دون طلقة رصاص بسبب القيادة القبلية التي تتجسد في الإمامة، وقد كتبوا قائلين «إن فهم الطبيعة الطبقية للقيادة يفسر إلى حد كبير نوعية البرامج التكتيكية التي اتبعتها، سواء في وجودها في عمان أو بعد خروجها.. لم تتخذ القيادة أي احتياطات أو استعدادات لمواجهة الغزو العسكري المرتقب. وعندما جاءت القوات البريطانية إلى نزوى لم تجد من طلقة واحدة على قواتها المعتدية! بل أصيبت هذه القيادة بالذهول وعدم التصديق لما حدث. واستسلمت للمعتدين»(71).كان الثوار الجدد يريدون أن يثبتوا للجماهير أن القيادات التي تعتمد على القبلية هي قيادات فاشلة وليست ثورية، كما أنهم يقولون إن القبائل كأفراد بداخلهم نزعات وطنية إذا لم تسلم لقيادات قبلية أو كما يصفونها بالطبقية، فهم في دراستهم للحركة الثورية يذكرون أن أفراد القبائل بعيداً عن القيادات القبلية يتصرفون تصرفات وطنية ويضربون مثالاً على ذلك بأبناء قبائل منطقة جعلان في صور قائلين «أرسلت بريطانيا قوة عسكرية تقدر بـ 150 جندياً وضابطاً بريطانياً وهندياً، ونزلت في منطقة جعلان. واستخدم الأهالي تكتيك السماح للغزاة بالتغلغل داخل المنطقة وبعد أن شعر الغزاة بالأمان وبعدم وجود أية مقاومة شن الأهالي عليهم هجوما كاسحاً أباد المجموعة كلها»(18).كان الثوار يقدمون القيادات القبلية للجماهير على أنها قيادة متخلفة وطبقية فاشلة، ويطرحون نموذجهم الاشتراكي الذي تلغى فيه القبلية على أنه هو النموذج الصحيح للقيادة.وهم يصفون القبلية بقولهم «القبيلة كمؤسسة أو كظاهرة هي عبارة عن بقية من بقايا مجتمع المشاعية البدائية؛ حيث كانت القبيلة تشكل مجتمعاً قروياً مكتفياً بذاته وقائماً على أساس علاقات القرابة والدم ومعزولة عن المجتمعات القروية الأخرى»(19).فالقبيلة في أيديولوجيتهم هي نظام للعزل بين أفراد المجتمع، أي هي نظام منافٍ للوطنية وهي نموذج للطبقية في المجتمع.نجاح الثوار بمحاربة سلطة القبيلةوالثوار يقولون «عند قيام ثورة التاسع من يونيو/حزيران العام ,1965 ومن خلال نضال دؤوب وبعد سنوات عدة استطاعت أن تحقق نجاحاً كبيراً في معالجة الوضع القبلي وتعمل على تحويله لصالح الثورة والشعب وذلك بطرق ووسائل عدة، منها:.1 نشر الوعي الوطني بين صفوف القبائل وتحويل أنظارهم إلى أعداء الشعب الرئيسيين الأساسيين..2 التأثير على أبناء القبائل وإلحاقهم بصفوف جيش التحرير الشعبي ونزع ولائهم القبلي إلى ولاء للثورة والوطن..3 القضاء على الملكية العشائرية فيما يخص المراعي والمياه، والسكن (20).ورغم أن قادة الثورة في كتابتهم بعد الهزيمة عدلوا عن تشبيه القبلية بالطبقية قائلين «اعتمادنا في الماضي على الأسلوب التحريضي فقط ضد القبيلة والقبلية كان واحداً من الأسباب التي ساعدت في استمرار الترسبات والنظرة القبلية بقوة ووضوح في عاداتنا وسلوكياتنا، وفي معالجتنا للكثير من الأمور والمشكلات التي تواجه الثورة»(21).ورغم أن قادة الثورة يرون أن «أحد أهم أسباب خسارة الثورة هو التركيز المبالغ به على اجتثاث النظام القبلي من ظفار، باهتمام أكبر حتى في كثير من الأحيان من قضية التحرير نفسها، بحيث دخلت الثورة في صدامات داخلية فلسفية بعيدة عن قضايا التحرر الوطني»(22) رغم ذلك فقد أسهمت هذه الفلسفة التربوية المناهضة للقبيلة وسلطتها في التمهيد لحركة التطوير التي قادها السلطان قابوس، فحركة الشعب سلسلة مترابطة تكمل بعضها بعضاً وإن مثلت في فترة من الفترات صراعاً دامياً، فعندما أقام السلطان قابوس دولة تقوم على المؤسسات والقانون وليس على القبيلة كما كان في نظام السلطان سعيد بن تيمور كانت حدة القبيلة قد خفَّت بعض الشيء بفعل ما قامت به الجبهة الشعبية في جبال ظفار، ورأت القبيلة القانون الذي سمح لها بتملك الأراضي وضمن حدودها ولكن وفق ضوابط وإجراءات تعود للبلدية كان قراراً أرحم من قانون نزع الملكية الذي أقرته الثورة.ولولا قرارات الثورة الصارمة والحازمة والدموية في بعض الأحيان لمحاربة القبلية، لكانت الدولة الحديث بقيادة السلطان قابوس قد وجدت مشكلات مستعصية تصطدم فيها سلطة الدولة بسلطة القبيلة، وهو ما سيحد بالطبع من قدرت الحكومة الجديدة على البناء والتطوير.الاتجاه نحو العمل اليدويالصورة النمطية في المجتمعات كانت سبباً في كثير من الأحكام التعسفية الظالمة، وفي المجتمع القبلي كانت أيضاً سبباً في تقليل الإنتاجية في المجتمع «فالإنسان القبلي يعيش عادة على الطبيعة ومن هذا كله تتولد لديه نظرة الاحتقار للأعمال اليدوية المهنية، وبالذات تلك التي لم يتعود عليها و/أو التي تبدو في ظاهرها وكأنها عبارة عن خدمة للآخرين. ومن هذه الأعمال المهنية: الحدادة، النجارة، الصباغة، الخياطة، الخبازة، خدمة المطاعم والمحلات العامة، إضافة إلى أعمال النظافة بأنواعها والأعمال الإنشائية. فهذه الأعمال وما شابهها إما أنها أعمال ذات مظهر غير لائق وغير مستقل من وجهة نظر الإنسان القبلي مثل أعمال النظافة والأعمال الإنشائية وخدمة المطاعم، وإما أنها أعمال ذات طابع خدماتي لم تكن القبائل في حاجه إليها ولم تمارسها في الماضي مثل الحدادة والنجارة.وفي مرحلة متطورة من تاريخ النظام القبلي ومع ظهور الحرف فقد كانت القبائل تحيل الأعمال كافة إلى طبقة العبيد أو أسرى الحرب، ومن هنا توارثت القبائل في آخر الأمر نظرة الاحتقار لهذه الحرف والأعمال باعتبارها شيئاً من اختصاص العبيد والقبائل المستضعفة.والإنسان القبلي يهتم عادة بمظهر العمل الخارجي أكثر مما يهتم بقيمته الحقيقية أو بمدى مردوده عليه، أو على المجتمع»(23).
رابط المقال: