الخميس، 14 يوليو، 2011

القرد الجاسوس

القرد الجاسوس!
الأربعاء, 13 يوليو/تموز 2011 03:25
في عام 1705 وصل قرد على متن زورق صغير إلى شاطئ وست هارتبول بانجلترا فقضت محكمة عسكرية بإعدامه شنقًا بتهمة التجسس لصالح فرنسا!!
في حالة ارتباك الأنظمة السياسية و سيطرة العسكريين المدربين على أن لا يتعاملوا إلا مع العدو يصبح الكل عدوا، وهذا هو تحديدا ما يحدث للأسف الشديد في سوريا و اليمن فالقرارات كلها باتت عسكرية و الكل أصبح متهما بالعمالة للخارج حتى انفصل الداخل عن الداخل و أصبحت أغلبية الداخل خارجا عميلا متآمرا على الوطن في نظر الفريقين الموالين للرئيسين، وعليه سالت الدماء و اكتظت السجون، وهي حالة تبعث على الحزن الشديد و لكن تدفع المرء للاعتقاد أنه تغيا رباني لا يملك أحدا دفعا له، ولذلك فالسيناريوهات تتكرر في كل الدول العربية و المطالب و الأخطاء هي ذاتها ذاتها. فهناك حقا جزء غامض في كل ما يحدث حولنا و لكن هناك أيضا حقيقة جلية: لقد خسرت كل الأنظمة العربية في رهان الصبر و النّـَفس الطويل ففقدت صبرها و هيبتها معا. فقد اعتقد الرؤساء العرب السابقين و المترنحين –المخلوعين و الذين في طريقهم للخلع (معمر وبشار وصالح)ــ أن الجيوش ستعيد هيبة الدولة و عذرا كبيرا لي منهم هنا فتقديرهم في منتهى الغباء فالجيوش تستخدم لإعادة هيبة الدولة عند حدوث الفوضى الأمنية كتفشي العصابات و ظهور الحركات المسلحة و لكن لا تستخدم مع الاحتجاجات الشعبية غير المسلحة. ولو كانت الأنظمة العربية المنهارة تملك نفسا طويلا لانتصرت و ما انتصرت الشعوب رغم نبل الأهداف ومشروعية المطالب الشعبية. فالنفس القصير هو سبب انهيار الأنظمة العربية في المقام الأول. ماذا ستخسر تلك الأنظمة لو لم ينزل جندي واحد أو شرطي واحد للشارع و مارس النظام و المواليين له لحياتهم الطبيعية وبقى المعادون في الشوارع حتى و لو لسنوات؟ !باختصار لقد كان رهانا للصبر و قد خسرت الأنظمة و ربح المعارضون.
و لكن يا ترى لماذا هذه الأنظمة خسرت في هذا الرهان التاريخي؟
عندما قامت هذه الاحتجاجات وخرجت الجموع للشوارع في بادئ الأمر تحدث المعارضون على أن هناك فسادا و هنا خافت جماعة المنتفعين المقربة من الزعماء العرب على مصالحها و لأنها قد أقنعت و لسنوات طويلة الزعماء بأن الشعوب في أحسن حال و الأمن و الرخاء و الديمقراطية منبعها العالم العربي و لأن أيضا هناك أجيال و أجيال من الشعوب العربية تعلمت النفاق بحيث في كل فرصة سنحت بمقابلة الرؤساء لم تكن سوى تنافق وتلقي القصائد وتسجي المديح، فقد صَدّق الزعماء العرب أن هذا هو حال الشعب العربي. المهم أن هذه الجماعة المنتفعة أيقنت أن لم يعد لها مكان بين تلك الجموع الغاضبة فلم يعد من الأساس يهمها سوى الانتقام لنفسها، إنها عقلية الثأر العربية و كذلك شيء من الصلف و الغرور الجاهلي، ولأنها محدودة العدد –رغم قوة النفوذ- فقد طرحت فكرة تدخل المؤسسة العسكرية التي لابد وأن أفرادا نافذين فيها على اتصال وثيق بهم فلم يترددوا في الموافقة على النزول للشوارع كما لم يترددوا في توجيه فوهات البنادق لصدور الشباب و لأن دائما عندما تسيل الدماء تدفع الأمور للأمام حتى لو كان الأمام يعني موتا مؤكدا و هكذا دوما تتصاعد الأوضاع في تلك الدول فالدماء تسيل و الخسائر من الطرفين فشيئا وشيئا ينحل النظام وربما يتحول مستقبلا لمعارضة تتهم بالتجسس و العمالة و تصدر عليها محاكم عسكرية أخرى حكم الإعدام.
عموما بات من المؤكد أننا مقبلون على خارطة جديدة للوطن العربي و هناك صراع أكبر سيظهر عما قريب أكبر من مهزلة محاكمة القرد التي تبنت نهجها المحاكم العسكرية العربية. إننا مقبلون على صراع عالمي مرهون بحسابات قوى دولية تسعى لاحتواء الشعوب العربية و سرقة ثوراتها لصنع عالم عربي وفق ذوقها الخاص بوابتها في أفريقيا ليبيا و في آسيا سوريا و في الجزيرة العربية اليمن، و قد نجحت للأسف في أن تجد لها موضع قدم في ليبيا في خلسة من غفوة شعبية و رهاب قذافي و لا تزال تسعى لتجد لنفسها موطئا آخر في سورية، أما اليمن فمن المستحيل وفق تركيبتها القبلية و المناطقية و عقليتها الرافضة للغرب جملة و تفصيلا أن تجد تلك القوى لها مكانا هناك لذلك ستسعى لاستمرار التوتر فيها لإرهاب الجيران و لا يستبعد البحث في جزيرة العرب عن موطئ قدم آخر يتناغم و المستجدات الجديدة فقد شاخ الأصدقاء و ربما حان وقت إحالتهم للتقاعد. عموما يبقى صراع الإرادات قائما و تبقى إلى الآن الشعوب العربية لاعبا مهاجما يربك الجميع وعليه ايضا ان يتصدى للهجمات المرتدة ليبعث على التفاؤل.

سيادة الرئيس يشعر بمحبة الشعب


سيادة الرئيس يشعر بمحبة الشعب
الأربعاء, 22 يونيو/حزيران 2011 02:55
منى سالم جعبوب-ما لفت انتباهي هو ما أكد عليه الأسد الصغير في خطابه أنه خلال الفترة الماضية التي تمنع فيها عن الظهور للجماهير إعلاميا كان يلتقي بعدد كبير من الجماهير من الشعب السوري و قد شعر بحب الشعب له، وأعتقد أنه بالفعل كل الذين قابلوا الأسد أعربوا له أن الشعب السوري يحبه و أن الشعب السوري يعقد عليه آمالا عريضات.الرئيس السوري لم يكذب فيما قال لكنه للأسف يبدو أنه لم يفهم المراد منه شعبيا، وكيف يمكن أن يكون منقذا لسورية من الحالة الحرجة التي دخلت فيها.عموما للنظام السوري فيما نسميه سورية الأسد الأب و الإبن العديد من الانجازات المعقدة فسورية التي في موقع جغرافيا لا تحسد عليه وكونها تقع في بؤرة التوتر الدائم و كذلك لكثرة الأعراق و القوميات و الانتماءات الإثنية بها استطاعت سورية الأسد الخروج من الترنح بين الاتحاد مع مصر و الاتحاد مع العراق لتخرج من ذلك مع الحفاظ على الممانعة و لتكون دولة مستقلة ينظر لها كدولة عربية كبيرة رغم شح مواردها المالية وكثرة أعدائها لتحافظ على استقرارها فكيف تم الحفاظ على ذلك الاستقرار هذا أمر آخر. ولكن كل الحركات المقاومة و المهجرين و المنفيين و العرب عموما قادة و مواطنين يشعرون بالحرج من توجيه أصابع الاتهام لنظام حمل على عاتقة هموم القومية و فتح بابه على مصراعيه لكل العرب لذلك هناك صمت عربي عام فقد كفت سورية الأسد الزعماء العرب من الدخول في صدامات مع الأصدقاء لأجل القضايا العربية و تكفلت هي بذلك لتقوم الدول العربية الكبرى بدور الوسيط بين الصديق القوي و الشقيق العنيد و قد ارتاحت كثير من الدول العربية لذلك الدور الذي فرضته سوريا الأسد فلم يعودوا يستطيعون لعب غير ذلك الدور.حسنا دعونا نعود للرئيس بشار الأسد ذلك الرئيس الشاب الطبيب الحنون كما يبدو و الأقل حنكة و عنفا ربما من أسلافه كيف يمكن أن يصدر كل تلك الأوامر بالقتل و التعذيب و التهجير أمر لا يعقل بالنسبة لطبيعة الرجل، عموما نحن كمتابعين نجهل حقيقة ما يحدث على الأرض و قناة الجزيرة مصدرنا الوحيد وهي قناة لها ما لها وعليها ما عليها -وإن كانت حسناتها أكثر من سيئاتها- فقد عرفنا فقط من خلالها أولا أن هناك آلافا من المقتولين و المعتقلين في سوريا وعشرات الآلاف آخرين مهجرين في بلادهم أو خارجها. وأيًا كانت تفاصيل الحقيقة فما يحدث في سورية أزمة حقيقية قد تقضي عليها اقتصاديا على الأقل باعتراف الرئيس السوري شخصيا و في أسوأ التحليلات انهيارها ككيان موجود في المستقبل القريب. ومع ذلك خطاب الرئيس بشار لم يحمل جديدا يليق بحجم الخطر، ربما الحكام العرب ليسوا على قدرة على اتخاذ قرارات حاسمه يمكن بها أن يغيروا التاريخ لصالح شعوبهم و يسجلهم التاريخ كنبلاء تفخر بهم الصفحات التي تحمل أسمائهم.الخطأ الكبير الذي أرتكبه سيادة الرئيس بشار الأسد هو إسناده للجيش مهام فض التظاهرات و الاحتكاك بالشعب، الأمر الذي خلق عداوة وكراهية و احتقان ينتظر لحظة الانفجار في نفوس أهالي المعتقلين و المقتولين و المواطن السوري البسيط المتفرج لذلك الإستعراض المفرط للقوة الذي قامت به الحكومة السورية في المدن والشوارع و الحواري و القرى و الأرياف السورية. و بالطبع كل جماعات المنتفعين تحاول الدفاع عن مصالحها و لا أحد يكترث لحال سورية و شعبها و لا حتى لحال الرئيس الشاب لذلك أقنعوه بأنه يتصرف بالطريقة المثلى و لكن هل يملك هو الذكاء و الشجاعة ليقدم الحل و المخرج للمشكلة و يقرر الانضمام للجموع الغاضبة و يغضب عليهم لصالح الشعب، لم نجد في الخطاب ما يوحي لنا بذلك كلها مؤامرة خارجية و الرئيس محبوب من الشعب!

الروح من أمر ربي


الروح من أمر ربي
الأربعاء, 15 يونيو/حزيران 2011 05:13
منى سالم جعبوب-قرأت ذات مرة مقولة السيد قطب "ليست الحياة بعد السنين ولكنها بعداد المشاعر"، عندما تفيض المشاعر وتملأ عالمك يصبح للحياة معنى. تختصر المشاعر الصادقة عمر الزمن، لذلك قد نقابل أشخاصا لدقائق معدودة و نشعر أنهم أصبحوا جزءًا من ذاتنا عصيين على النسيان، نفهمهم و نحس بهم أكثر بكثير ممن بعدّ السنين يفوقونهم عددا.مهما تطور الإنسان وادعى المعرفة تظل الروح هي السر الإلهي في الأرض وقد قال تعالى: " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا". الإنسان أمامها عاجز ما أوتي من علمها إلا قليلا، تلاقي الأرواح، تنافر الأرواح، عالم الأرواح، الجنود المجندة، كلها من علم ربي.عندما كنت في الصف السادس الابتدائي كانت أستاذتنا المتدينة جدا والطيبة تشرح لنا عن مدى محاولة المشركين إعجاز الرسول (صلى الله عليه وسلم) بطرح الأسئلة عليه وأنه أجابهم عليها جميعا إلا سؤالهم عن الروح التي نزل فيها على لسان الوحي "قل الروح من أمر ربي"، سألت أستاذتي لمَ الروح دون إجابة؟! لماذا لم يجبهم مبينا أمرها؟!، أذكر أنها ردت: هل ستكفرين بالله؟!كان سؤالي ليس سخرية كما فهمت أستاذتي بل سألت لأني استشعرت أن الروح شيء عظيم لا تليق به الأجوبه، بعد سنتين دراسيتين أتيت أستاذتي أقول لها: أستاذتي إن الروح سر الله في الأرض أليس كذلك، فقالت: لا أنت ستجنين عما قريب!!! والحق أني بت على يقين أن التفكير في الروح وما يتعلق بها، كما أوحت لي أستاذتي سيجر لأحد أمرين إما الكفر أو الجنون!!!، ولذلك فهي فقط من أمري ربي.كل منا قد تأتي عليه لحظات هي بعداد المشاعر عمرا خارج حساب العمر الزمني، تمتلك فيه مشاعره ذاته و تسير خطاه فيرى العالم ورديا حتى وإن رآه الجميع سوادا حالكا، ومن الروح كلها يستودع تلك المشاعر في قلبه لذلك يسرع ذاك القلب في الخفقان وتزداد دقاته، ويستجيب له سائر الجسد بالسهر والحمى، وعندما تتحطم المشاعر على صخرة الواقع، لن تهتز ثقتي بنفسي، المشاعر تُجرح والقلوب تُحطم ولكن الروح منزهة عن ذلك لأنها من أمر ربي.في لحظات الانكسار العاطفي و اكتشاف الوهم، و انهيار الطموح، تنبعث من ذواتنا ذوات جديدة لا يقتلها السم ولكن يزيدها قوة.قد يستطيع الدهر بنوائبه تحطيم قلبك و كسر مجدافك و سفك دمعك ولكن قل للدهر هيهات هيهات وعصي عليك أيها الدهر هز ثقتي بنفسي نعم فأنا ما خلقت إعتباطا ولا سفاهةً ولي روح من أمر ربي، وأمر ربي أقوى من أن تستطيع قوة بشرية تحطيمها. وسترون جميعا كيف أني بعد كل خطب أعود أقوى مما كنت وأحلق دون جنحان، واستنشق الأحلام وأمضي بعزم، نعمفعزم الشباب هو القضاء ومبتغاه هو القدر فلا تذل رأسك لمقتدرالكون ملكك والحياة بحزم أمرك تأتمرو الأحلام هي الشئ الوحيد الذي يربطنا بالحياة و بالمستقبل. الحلم مبعثه الروح ومقرون بالطموح لذلك أحلامنا أصيلة مبعثها ذواتنا، وبقدر ما تكون ذواتنا عظيمة بقدر ما تكون أحلامنا كبيرة، أما الآمال فمبعثها الظروف والناس ومسيرة بحسب عقارب الزمن و تفاعل البشر. قد تنهار الآمال و تنكسر، كما تنهار المدامع و تنهمل، وتجرح المشاعر و تتحطم القلوب وتندثر، لكن الأحلام يجب أن تبقى وتستمر و الثقة بالنفس لن تهتز ولن تتأثر و لن تستطيع قوة تحطيمها.سنعود للتنفس من جديد، لا تحسبوا أنا متنا وانهرنا. نحن تجرعنا السم ولكننا نزداد قوة لأننا نملك روحا من أمر ربي. نحن نملك ثقة مستندة على الإيمان الروحي بأن هناك رب عظيم، ومهما أعجبنا بالعلمانية و ما تحمل ربما من فكر هارب من تسيس الأديان تظل هناك فطرة روحانية في ذواتنا تدعو هذه الروح للايمان بأن هناك إرادة خفية لخالق عظيم نتكل عليه للخروج من انكسار الذات و مهما تطورنا و تمدنا للروح نزعة وجدانية وللايمان بالله وسر رباني عصي على التفسير.

قراءة في بعض مما حدث(3-3)

قراءة في بعض مما حدث (3-3)
الأربعاء, 08 يونيو/حزيران 2011 03:09
منى سالم جعبوب
-

في الوقت الذي كان فيه المعتصمون و الجيش و الشباب و الأطفال و الشيوخ والأعيان المثقفون وكل المؤيدين و المشككين كلٌ يعتقد أنه يؤدي واجبه كدنا نخسر وطنا.
من المضحكات المبكيات في كل ما جرى في وطني أن لا أحد يشعر بأنه أخطأ و أن الجميع يعتقد بأنه على صواب وغيره هو المخطئ. تداخلت و إلتبست الأمور على أغلبية الناس من العامة و الخاصة بطريقة تربك الجميع بحيث الكل تأتيه لحظات يشعر أنه ربما لا يعلم لماذا قال وتصرف هكذا!! فٍقد ظهر جدل عميق حول قدرتنا على الالتزام الحقيقي بقوانيننا وفهمها بحيث يصبح كل فرد في أي مؤسسة في هذا الوطن يعرف أن هنا تبدأ مهام مؤسساته و تلك مهام مؤسسات أخرى، والحق أيضا لقد ظهر ارتجال و تداخل تجلى معه أننا كدولة مؤسسات سُلّمُنا بات جاهزاً لكن إلى الآن لم نضع أقدامنا عليه بشكل ثابت و واثق.
لنكن أكثر وضوحا: الشرطة كثير من أفرادها لا يعرفون الحد الفاصل بينهم و بين الادعاء العام، وكذلك الجيش، كما أن أعضاء مجلس الشورى –ممثلي الشعب- ظهر كثير منهم كناطقين باسم الحكومة لا كناقلين لصوت الشعب، الجمعيات الأهلية اختفت من المشهد و البيانات أصبحت تصدر من مجموعة الأفراد، و في عالم الاتصالات جرم الفرد يعاقب عليه موقع قام بنقله و شركات الاتصالات تقطع جميع خدماتها عن منطقة يقرر الجيش دخولها، وكلفت أطراف عديدة و أفراد من مؤسسات و جهات مختلفة بحيث أصبح المشهد سوق مزايدات على الوطن لأن الكل يريد أن يثبت أنه أكثر وطنية من الآخر فخوننا و شككنا وسفهنا بعضا بحيث كدنا نخسر وطنا، وقام البعض بتجديد الولاء، و المخجل أن تتلقى اتصالا من خارج الوطن يسأل فيه أحدهم ماذا يحدث لديكم؟ ويردف سمعنا أن هناك قبائل لديكم سحبت الولاء وهي الآن تقوم بإعادته، فكيف حدث ذلك؟
مواقف مرتبكة بعقلية قبلية وعسكرية تجعلك تعود للقرون الوسطى و تشعر بالخجل ولا تعرف ماذا تقول. المرء يتصبب عرقا عندما يتخيل أن صحفنا لربما تصل للخارج فيقرأ الناس من خارج أو حتى داخل السلطنة القبيلة الفلانية و المنطقة الفلانية يجددون الولاء كما يقرأ ويسمع بأن الحكومة العمانية انهت الاعتصامات بواسطة الجيش، ماذا سيتبادر لذهنهم و ماذا سيقولون عن حكومتنا و ما يحدث داخل السلطنة؟ مواقف مرتبكة تدل على عقليات قديمة لم تدرك بعد أن في أربعين عاما انتقلنا لدولة مؤسسات علينا أن نسعى لتفعيلها.
أنا شخصيا كنت أرى أن في ظل الأحداث الإقليمية استمرار الاعتصامات رغم سلميتها قد توفر بيئة خصبة للفوضى في حالة حدوث تغير ما على الساحة الإقليمية، لكن المبادئ لا تقبل التجزئة مهما كانت الظروف و لا أصعب من الالتزام بها في وقت القلاقل. النظام الأساسي للدولة يكفل ذلك. إذن لا بد من عدم مصادرة أي حق يكفله القانون و واجب الجهات الأمنية المراقبة من بعيد بالعكس ربما هي فرصة لن تتأتى للجهات الأمنية مراقبة كل الأمزجة في مكان محدد و معلوم وهنا تكمن المشكلة، لتراقب دون أن تتدخل على أرض الواقع يعني يجب أن تمتلك الكثير من الصبر وهذا ما لا تمتلكه العقلية العسكرية التي تدير جزءا من العملية من جهة الحكومة و العقلية القبلية التي تدير الجزء الآخر من جهة الشعب و الجزء المدني من الحكومة.
عموما ظهرت على السطح كثير من الإشكاليات:
- أولا هل ما يكفله القانون نحترمه جميعا؟
- هل ما للجيش للجيش و ما للشرطة للشرطة؟
- هل المؤسسات الأهلية ذات مصداقية؟
- هل الشراكة الحقيقية بين المجتمع و الحكومة موجودة؟
فقد كان القائمون على إيجاد الحلول يُغيّبون دون قصد ربما الشراكة الحقيقية بين الحكومة و المجتمع فيرون أن على الشيوخ و المثقفين و الأعيان القيام بدورهم بعيدا عن الحكومة و الحكومة كذلك تقوم بدورها بعيدا عن المجتمع. والحقيقة أن كل عمل يقوم به المجتمع بمعزل عن الحكومة هو عمل فردي مهما كثر عدد منفذيه و كذلك العمل الذي تقوم به الحكومة دون اشراك المجتمع هو عمل فردي مهما كثرت الجهات الحكومية المشاركة في تنفيذه.
ولكن ماذا لو شكلت لجان في كل منطقة تبنى على شراكة حقيقية و تتصل مباشرة بديوان البلاط السلطاني أو بمكتب صاحب السمو نائب رئيس مجلس الوزراء تتكون من شباب يتمتعون بالذكاء ومسؤولين، كذلك شباب يتسمون بالعقلانية و القدرة على تقبل ونقل الرأي الآخر، أي لابد أن يكونوا شبابا تحرروا من العقلية القبلية و العقلية العسكرية، لأن الأولى لا بد من أن تكون منحازة و جائرة و متعصبة و تكره الصواب إن لم يأتِ من صلبها و الثانية لا تعرف سوى لغة القوة و تنفيذ الأوامر وترى أنها لا تواجه سوى الأعداء وتلك عقيدتها. لذلك فتلك اللجان نحن أحوج لها الآن من أي وقت مضى حتى لا نسيء لبناة و حماة و أجيال في وطننا الغالي، أي هي ضرورية حتى لا نخسر وطنا بين العقلية القبلية و العقلية العسكرية

قراءة في بعض مما حدث (2-3)

الجيل القادم شرس و مثقف بثقافة لا تقبل الرضوخ...

كثير من الأهالي كانوا يعتقدون أن أبناؤهم يلعبون في فيناء البيت أو في ساحة من ساحة المدينة حتى أتتهم الاتصالات من أحد المشافي أو من العابرين للطريق القريب من ساحة الاعتصام سابقا حيث يتمركز الجيش. تلك الاتصالات كانت مفاجئة للأهالي أبناؤكم يرشقون الجيش بالحجارة و الجيش يرد بضربهم بالهروات و إطلاق الرصاص الحي و المطاطي في الجو!!.

لقد دخل الفتية الصغار ساحة معركة حقيقة بالحجارة لقد شدني الحدث لدرجة كبيرة فبت أبحث عن تفاصيله كيف ذهب الصغار إلى هنالك.علمت أن في إحدى المدارس اتفق طلبة الخامس الأساسي جميعا على أن يجتمعوا عند أحد المجمعات التجارية ليحرروا المعتصمين و أنضم لهم طلبة من مراحل دراسية مختلفة أصبح عددهم كبيرا جدا جاءوا في سيارات و حافلات الأجرة ومن لدى عائلته سائق استغله لنقل الزملاء لساحة النزال، لقد أعتقد الصغار أن الجيش يسجن المعتصمين هناك في الساحة و أنهم من سيقوم بإطلاق صراحهم. و أنا أكتب هذه السطور أشعر برغبة في الضحك لا يمنعني منها غير تذكري أن الجيش كان عنيفا معهم رؤوس مشجوجة و ضرب مبرح و بعضهم تلقى نصيبا من الرصاص،وكما أن الجيش نال نصيبه و عاش ليلة حالكة من الحجارة المتساقطة من كل جانب،فقد كان الفتية مصرين على اختراق المدرعات للوصول للطرف الأخر.

سألت أحد الفتية معاتبه لماذا تعرضون أنفسكم للخطر وأنتم أطفال؟ ثم الجيش أُمر بذلك ولا بد له من إطاعة الأوامر؟ فهم كما شاهدتم بأعينكم لا يحملون أسلحة نارية بل مضارب يعني هم أصلا ليسوا موجودين لإيذاء أحد بل تنفيذا لواجب مناط بهم. بداية أعترض على وصفهم بالأطفال ثم أجابني بمحاضرة حول دور المجتمع في الدفاع عن معتقلي الرأي أذهلتني وكأنه في خلاصتها يقول الجيش أدى واجبه و نحن أدينا واجبنا!.ثم استدرك أخر قائلا لقد طالب المعتصمون بجامعة فهل أحدهم سيدخل تلك الجامعة هم أردوها لنا فكيف نجلس في بيوتنا و نترك الجيش يضربهم و يسجنهم؟ و حين قلت لأحدهم أليس شقيقك في الجيش؟ أجابني:كنت أبحث عنه من بين الجنود و رشقته بالحجارة حتى يتعلم أن يكون رجلا يحفظ الجميل؟! الصغار ليسوا كما نعتقد و لا الجيش كما نرجو و للأسف الكل يعتقد أنه يؤدي واجبا.و أثناء ذلك الأداء حدثت الكثير من التفاصيل لا داعي لذكرها هنا فنحن نريد للجرح الشفاء و للذاكرة النسيان.

عموما من يريد أن يقرأ المستقبل فليجالس الصغار و يقرأ ملامحهم و حركاتهم و إيماءاتهم منهم نعرف المستقبل.لقد حدثتُ مجموعة منهم عن أحلامهم في المستقبل فكانت بين صحفي و بين عالم و طبيب و معلم و عندما قلت لأحدهم لقد كنت تحلم بأن تكون ضابطا في الجيش أليس كذلك ؟ فأجاب لا طبعا لم أعد أريد. بالطبع لا زالت أثار مضارب الجيش على جسده.

الجيل الجديد من الشباب الصغار يمتلك ما لا نمتلك نحن يمتلك الإصرار و العزيمة و القدرة على التعبير عن الرأي وعدم التنازل عن الحقوق أو التعب من متابعة المطالب كما أنه جيل ليس من السهل خداعة بالكلمات و الجمل و لا يقبل أن تصرف له مسكنات الآلام هو جيل يفضل الجرح على التخدير. و يفترض أن يكون وجود مثل هكذا جيل يشعرنا بالزهو و الفخر و لكنه يشعرني شخصيا بالخوف بسبب بسيط أن الفارق العمري بينهم و بين سابقيهم بسيط جدا لكن الفارق النفسي و التكويني و الثقافي كبير جدا. ما لدينا في الأساس جيل واحد فقط بمقاييس السنين ولكنه منقسم لجيلين من حيث الثقافة و التفكير.

جيلنا جيل يقدس الكبير و التقاليد و جيلهم يكره التقديس ولا ينتمي إلا لما يؤمن به،جيلنا جيل يخضع و يذعن و جيلهم جيل يقتنع و يؤمن. نحن وهم نتفق على تعريف الإيمان من حيث أنه ما وقر في القلب و صدقه العمل لكننا نختلف في العمل هم عملهم من عقولهم و نحن عملنا من نهج أبائنا.
فلنتعرف هم خير منا بملايين المرات لكن المشكلة هي أن لن نقبلهم سنحاول أن نستنسخهم ليصبحوا مثلنا أو سنعلن عليهم الحرب سنحاول كبتهم و إسكاتهم و لا ابالغ إن قلت إذلالهم و نحن أكثر عددا و نفوذا و لن يصمتوا فهم أكثر قوة ذاتية منا و أكثر نبلا منا و حبا للمجتمع و للقضايا العامة وأكثر قدرة على التضحية منا. ولأنّا منذ البداية شعرنا بأنهم مختلفين عنا لم نستوعبهم و حاولنا إقصائهم و بدت المسافة تطول بيننا وبينهم و إذا لم نحاول أن نرسخ قيم المجتمع المدني و احترام الحريات العامة و الخاصة ونهتم بالفرد أولا سنخسر جميعا فهذا هو وحدة ما سيحفظ لوطننا الاستقرار وإلا فالقادم سيكون عابسا و سنفاجأ بدهشة.نسيت أن أذكر شيء لقد اكتشف جيل الشباب كيف يجمع الناس حوله و يجمع اجيال مختلفة حوله.و لغة القوة وأساليبها لم تعد مناسبة لعصرنا فيجب أن تولي إلى حيث لا رجعه فكل من حاول استخدامها في هذا العصر يخسر كثيرا و وحدهم الشباب ينتصرون لأنهم تجردوا من ذواتهم و من حب الزعامة و الرئاسة وذابوا في الهم العام و لا يصدقون إلا ما يؤمنون به و من الصعب خداعهم أو تشويه صحبهم و رفاقهم في الرأي وهم من سيكتب التاريخ .

ملاحظة: التاريخ لا يرحم و يكتبه ليس من صنعوه بل من راقبوه أو جيل قادم فما عسى الأجيال المراقبة أو القادمة ستكتب؟! و لمن من الفرقاء الصفحات البيضاء؟! بت أتمنى أن نسقط سهوا من صفحات التاريخ خوفا من أن تلتقطنا الصفحات السوداء.