السبت، 12 يونيو، 2010


أيها السادة إني أتهم.. فهل نرى بيان المثقفين العرب؟
6/12/2010


العالم العربي في عمومه يشهد تحولا ثقافيا يمكن أن نسميه بعصر النهضة العربية الثاني، وأي نهضة لأية أمة يجب أن تبدأ فكريا من خلال مثقفيها ومفكريها وأقلامها الحرة والنزيهة.في نهضتنا العربية الأولى في عهد محمد علي باشا،أو نهضتنا القومية في عهد جمال عبدالناصر كان السياسيون هم صناع النهضة وهم مصدر ثقافة وتحرك الشعوب وبالطبع هم أيضا في طرحهم كانوا ينطلقون من ثقافة مفكرين عرب ومن القيم العربية، ولكن تأثير المفكرين كان محدودا وتأثير السياسيين هو الأشد فعاليه على الرأي العام في تلك الحقبة، ما يهمنا هنا أن تلك النهضة وتلك الثقافة في حِراكها وقوتها صنعها السياسيون ولذلك انتهت عندما فارقوا الحياة، وضعفت بعدهم وهزلت.وما يشهده العالم العربي حاليا هي ثورة ثقافية حقيقية تهدف لإعادة بناء الذات العربية،ومن يصنعها هم المثقفون وشباب الأمة والمقاومون والمدافعون للرمق الأخير عن الأمة والكرامة والسيادة والبقاء.فيما بعد العصور الوسطى في فرنسا صدر حكم بالنفي على ضابط انكليزي بتهم التجسس لصالح ألمانيا وذلك عام 1894م،فشككت عائلة الضابط في الحكم وبعد عامين من صدور الحكم كتب عالم الفكر والأدب إميل زولا مقالة بعنوان 'إني أتهم' دافع فيها عن الضابط المنفي،وقد حركت مقالته عدد من الأقلام الثقافية والتي بدورها حركت الرأي العام الفرنسي،وفي عام 1898م خرج المثقفون في فرنسا ببيان أسموه بيان المثقفين يطالب بإعادة محاكمة الضابط، فأنقسم الرأي العام إلى قسمين وتحزب الساسة في فرنسا لحزبين فكان من ينادون بإعادة المحاكمة يسمون بالحزب الجمهوري وكان خصومهم الذي يؤيدون حكم النفي يسمون بالوطنيين -وللاسم بريقه لجذب العامة بدعوى الوطنية-،وأتوقع أيها السادة أن تشهد منطقتنا العربية قريبا جدا ظهور الجمهوريين والوطنيين المتسلطين والمشككين في كل شيء وكل فرد،وسنسمع كثيرا من تهم العمالة لأعداء وهميين، ولا أستبعد أن يتهم أحدهم بالعمالة لإحدى المنظمات أو الدول العربية أو الإسلامية خاصة في الدول التي كانت تعرف يومًا بدول المواجهة وربما البدايات قد ظهرت، ولكن السؤال:هل سنشهد في المقابل بيان المثقفين العرب؟وهل ستطلق صرخة 'أني اتهم'؟لتحرك الرأي العام وتصنع تاريخ ثقافي جديد للأمة. يبدو أن الحال يسير نحو ذلك وهو يبعث على التفاؤل.وبالطبع في حركة التغيير الثقافي الذي سنشهدها وسينتج عنها دون أدنى شك تغيّر سياسي سيكون محركو هذا التغيّر المقاومون في غزة وفي العراق وأنصارهم من المثقفين في كافة الوطن العربي من محيطه للخليج،وما علينا أن ندركه أن هؤلاء المقاومين ليسوا ملائكة لذلك سيرتكبون ربما كثيرا من الأخطاء، فهم في قلب حرب شنيعة غير متكافئة، ولذلك فلا نتوقع منهم الرقة واللين والكياسة، ولكن نتوقع من المثقفين والمفكرين الخروج من بروجهم العاجية لصناعة المشهد الجديد في عالم الوطن العربي، نتوقع منهم الخروج من عباءات الصمت الطويل، وخلال فترات قليلة قد نرى مقالات تصرخ 'إني أتهم' لقد خسر من يسمون أنفسهم وطنيين مدافعين عن الوطن،لقد تبين للرأي العام إفلاسهم وتحجرهم وتجبرهم وتسلطهم لقد أعيدت المحاكمة وخفف الحكم ثم عاد المثقفون لتحريك الرأي العام وظلوا على مبدأ 'أنا أيضا من حقي أن أتهم' فأعيدت المحاكم مرة أخرى وحصل الضابط على التبرئة.وهنا أيها المثقفين لم يستعن مثقفو فرنسا بأي جهة خارج فرنسا ولم يستشيروا منظمات خارجية قبل خروجهم ببيان المثقفين ولم يتوقعوا من الضابط أن يكون ملاكا لا يخطئ، ولم يطالبوا بقلب نظام الحكم؛ولم يشككوا في وطنية أحد، بل طالبوا وثبتوا في مطالبتهم بالحقوق المدنية وحق التعبير وأن لا يحق للساسة إلقاء التهم جزافا،وإذا صدرت التهم التعسفية فان المثقفين، سيقفون صفا واحدا ليقولوا 'نحن أيضا نتهم'.المرحلة القادمة والقريبة جدا أخالها لحد الثقة ستشهد ظهور صف عربي يتهم الظلم الارتجالي بدعوى الوطنية. والموجود حاليا من النشطاء أو الحقوقيين أو غيرهم الذين وجودهم مقترن بمساندة المنظمات الخارجية لا يمثلون الرأي العام فهم منعزلون عنه لأنهم ربما بسبب الجبن أو الكسل أو النوايا غير المعلنه قرروا الارتباط بعيدا وقرروا الاعتماد على من يجب أن يتهم داخليا أو خارجيا،حتى بعض من يتسمون بحقوقيين أو أحرار أو شرفاء، لا يمثلون الرأي العام ولا يستطيعون تحريكه، ولذلك ليسوا هم من ننتظرهم بشوق ونترقبهم بشغف.الذين ننتظر، قدومهم سيصنعون التاريخ ويقلبون الموازين، ولقد ولدوا ونجمهم سينير عما قريبا، سينير وينتشر نوره بعيدا عن أقمار صناعية تدور في مدارات وأفلاك من صنع الغير، سيخرجون من رحم الأمة ليعبروا عن همومها بثقة واتزان وسيطلقون بيانهم وسيربكون الساسة أولا ؛ثم سيُنظروا لهم ليصلح الحال، وسنسمع قريبا جدا ربما الكثير من تهم العمالة لدول عربية وسنشهد أحكام النفي،وربما السجن والتعذيب حتى الموت، ولكنا أيضا سنقرأ قريبا 'أني أتهم '،ونفرح كثيرا ببيان المثقفين.