الأربعاء، 23 يونيو، 2010

مقتولون بين ترف العلماء وترف الساسة






كنت أتصفح أحد المواقع الالكترونية العمانية وككل المنتديات لدينا فإن أكثر المنتديات نشاطا تلك المعنية بالدين أو بالسياسة، حيث كان عدد الزوار والمتواجدون فيها ضعف بقية المنتديات، والحقيقة إني وجدت الترف هو السمة الغالبة لشبابنا وشاباتنا في كل مناحي الحياة حتى في المسائل الدينية يجولون ويصولون في المواضيع ذات سمة ترفيه بالغة وقضايا خلافية لا طائل من النقاش فيها!قومنا يبحثون عن مَواطن الخلاف على قلتها أكثر من بحثهم عن مسائل الاتفاق على كثرتها فهذه سمة العرب في عصور الانحطاط العربي عاشقين للفُرقة والترف.قد يقول البعض ما دخل الترف هنا، الحق أن الترف بات ثقافة تسري في دمائنا للأسف ولابد لنا من مصحات ومضادات وآلات لتنقية هذا الدم قبل فساده.الترف أصاب بعض شبابنا فما عاد لباسنا يناسبهم ولا ثقافتنا تحتضنهم ولا لغتنا بيتهم ولا ديننا حصنهم الحصين، والكل منهم بات يريد أن يستعرض محاسنه ومفاتنه ويبث فتنة بين الجميع.
ولكن المصيبة العظمى هي ترف بعض علماء الدين ورجال السياسة.علماء الدين أصاب عقولهم هذا الترف القاتل فكثيرا منهم أصبح يركز على قضايا الترف الديني أكثر من تركيزهم على تبسيط وشرح علاقة التواصل بين العبد والمعبود من عبادات ومعاملات وأحكام، فنجدهم يهتمون بقضايا فلسفية تدور في حلقة مفرغة، والعامة من الشباب يرددون ذلك. لماذا ننبذ ونتذمر من أولئك المترفين الذين يلبسون الأقراط والأساور ويهلكون أنفسهم، ونتناسى مترفون ترفهم جر الأمة لشقاق وحول النظر عن قضايا الاتفاق لدوائر الشقاق بل وجر لنفاق في الدين، لا أحد منهم على استعداد أن يغير قناعاته أو على استعداد أن يقبل الأخر بما لديه من قناعات، فلماذا هذا النقاش وهذا الجدال؟ الهدف واضح أنه بث التفرقة بين الناس و زرع الفتن، تركوا أمور الحياة بل وأمور الدين و خاضوا في قضايا فلسفية وجدلية لا تهم المسلم البسيط لا من قريب ولا من بعيد ولكنها بالطبع ستضعه في خندق هذا خصم وهذا صديق!أهلكنا المترفون فهلا رحمنا أنفسنا من هذه القضايا وقلنا لهم شكرا لم نعد نريد سماع المزيد من ترف العلماء؟
المقتل الآخر الذي أصاب هذه الأمة كان من ترف الساسة الذي أنتج قسوة غير عادية في السجون السياسية، مخطئ من ظن ان المترفين حنونون بل هم أقسى الناس قلوبا على المخالفين لهم. لقد أُترف ساستنا فلم يعد هناك داخل يؤرقهم ولا خارج يعنيهم ولذلك إذا لاح لهم في الأفق صوت ضعيف يشدو بما لا تطرب له أسماعهم كشروا عن أنيابهم وأعملوا سيوفهم غير مكترثين بما سيؤول له الحال.فعندما وصل الساسة في مصر من الترف لدرجة القسوة التي لا تحتمل أخرجــــت لنا سجون المترفين جماعات نَظّرت للعنف الإســلامي الإسلامي، وتوالدت جماعات وجماعات و جماعات أخرى أساسها في البداية سياسيون مترفون و شباب مقهورون.
المُواطن العربي يحب وطنه ويحب الله ورسوله وهو وطني متدين ويميل للالتزام ويحب الله حتى وإن ارتكب المعصية، وخالف قول الشاعر إن المحب لمن يحب مطيع، وقد وقع هذا المواطن في حيص بيص بين حبه لرب العالمين ودينه وبين حبه للوطن، فقد عَرف هذا المواطن المغلوب على أمر متحدثين باسم الله، ومتحدثين بإسم الوطن، عرفهم متناحرين ومختلفين مع بعضهم البعض لكنه لسوء الحظ والطالع لم يعرف متحدثون باسم هذا المُواطن المسكين الذي يحب الله ويحب الوطن.
لماذا أحب العربي البسيط أردوغان؟وأكتسب أردوغان كل هذا التقدير والمحبة من الشعوب العربية التي لم يحظ بها أحمد نجاد رغم كل تصريحاته النارية ضد اسرائيل بل إن أردوغان حتى عندما قال One minute One minut كان يجالس الإسرائيليين ونجاد لا يقبل ذلك، فلماذا نال أردوغان ما لم ينله نجاد؟لأن أردوغان أوجد التوافق في نفس هذا العربي المسلم البسيط، بين حبه لدينه وحبه لوطنه، أردوغان لم يتهكم أو يتهجم على دولة عربية ولم يمثل تهديدا للوطن العربي كما أنه تحدث معبرا عن شعور هذا العربي المسلم دون أن يحدث له تناقض بين وطنيته وإسلامه ، فمحبة أردوغان لن ينتج عنها ضرر للوطن فهو لا يمثل خطرا على المتحدثين باسم الوطن، كما أنه لا يمثل خطرا على المتحدثين باسم الله، فسكتوا عن تشويه صورته، فوجد هذا المواطن البسيط صوتا عذبا شجيا لجرحه الإنساني النازف بعيدا عن دوائر المترفين.
والدال على ثقافة الترف القاتلة أني قد طرحت فكرة هذا المقال على عدد ممن حولي فعوضا عن التركيز في النقاش على القضية الأساسية وهي حيرة المُواطن البسيط بين ترف علماء الدين والساسة أخذوا يناقشون قضية فلسفية ترفية دينية أو يقارنون بين أردوغان ونجاد، والنتيجة مقتولون نحن بين ترف علماء الدين و ترف الساسة.
وعودة لهذه الانسان العربي البسيط الذي قد يعتقد البعض أنه متناقض في كثير من الأحيان والحقيقة هي أن هذا العربي البسيط حائر بين المترفين المتحدثين باسم الله والمترفين المتحدثين باسم الوطن، ولذلك فقد قرر بعض من شباب العرب التمرد على هذه الحيرة وهؤلاء المترفين كل حسب طريقته فظهر لنا المتمردون على الحيرة بأشكال منها:

الكفر بالله و الوطن
الكفر بالوطن
الكفر بالله
الكفر بالمُواطن

ولكن هذا المُواطن الأصيل الحائر الذي يرفض الكفر بالفطرة وجد أن الحيرة أفضل من الكفر ففضل العيش حائرا على أن يكون كافرا، إلى أن يأذن الله بظهور جيل يبدد الحيرة ويؤمن بالله ويخلص للوطن بكل أطيافه.