الثلاثاء، 26 أبريل، 2011

مصلح على العرش






مصلح على العرش،،،

"انتهت اللحظات التي أمضيتها و أنا أتأمل في الاستعارات و التشبيهات و الشاعرية. وكان النهار قد احترق،و النجوم تناثرت في قبة السماء. وسيارة الجيب تنزلق ببطء على الدرب المتموج غير المعبد وتلقي بأضواء مصابيحها نورا على الفضاء الصخري المكسو بشجيرات متباعدة.فجأة أطفئت مصابيح السيارة،لكنها واصلت طريقتها وسط الظلام مهتدية بأنوار مصابيح أخرى تومض من بعيد.وتوقفت أخيرا.نزلنا
في الظلام بدت أبعاد الخيمة بقمتها المدببة،و على المضاء ظليلة من قماش سميك مؤطر بأشرطة مهذبة.وتحت الظليل بساط تنتصب عليه قامة رجل في دشداشة بيضاء. ملامح وجهه لا تزال غامضة،اللهم إلا اللحية القصيرة الشيباء التي تؤطر محياه.
شد السلطان يدي بود.و ألقى عليّ تحية دافئة مرحبة.و انطبعت على شفتيه ابتسامة خفيفة. و ما أبعد الشبه بينه وبين مئات الصور الفوتوغرافية التي كنت أحدق فيها بانتباه على صفحات الكتب و المجلات و الجرائد.إنه أكثر فتوة من كل تلك الصور بعشر سنوات في أقل تقدير.فما من صورة فوتوغرافية أو شريط فيديو بقادر على تجسيد تلك الحيوية،وحضور البديهة،و لمع العينين،ونبل الإيماء و الالتفاتة و الإيحاء."
[1]

تلك السطور السابقة كانت من كتاب "مصلح على العرش" للكاتب الروسي سرجي بليخانوف، أهدي لي هذا الكتاب قبل شهور و الحق أني عندما استلمتهه تصفحت صفحاته و كنت في قرارة نفسي أقول لن يعرف الروسي عن جلالته أكثر مني، فوضعت الكتاب في مكتبتي الخاصة معتزة بالصورة الجميلة لجلالته –حفظه الله- و بالهدية،قبل أيام قررت أن أخذه معي لأضعه في مكتبي فعدت لأقلب صفحاته و لكن هذه المرة شدتني الصفحات للقراءة فقد بدا لي أني أمام نوع مختلف من الكتب و بدأت اللغة و التفاصيل الجميلة تشدني و غدوت أذهب به للعمل و يعود معي لأقضي في قراءته أجمل الأوقات إنه كتاب خرج من رحم قصيدة وضياء فكر يتأهب لسرد ملحمة

أحيانا كثيره أعيد قراءة فقراته مستمتعة وكأني أقرأ أبيات شاعرية و أحيان أخرى تعتريني رغبه دفينة في البكاء،لقد كان الكاتب موفقا جدا في كل حرف و كل كلمة نقلتها لنا الترجمة للعربية ليجعل من هذا الكتاب صديقي الحميم في هذه الأيام العصيبة لقد دفعني هذا الكِتاب للكتابة عنه قبل حتى أن أنهيه و أشعرني أني ارتكبت جريمة في حق نفسي بأن حرمتها من متعة قراءة هذه اللوحة الخلابة بكل هذه الشاعرية.لابد أن المؤلف مفكرا يعرف كيف يقرأ التفاصيل و هو أيضا روائي يعرف كيف يشدك بكلمات تبدو كقصيدة.

طبعا هي ليست فقط دعوة لقراءة الكتاب لكن هي وقفة عند مفهوم جميل قدمه المؤلف بفكره النير بين ظلال السطور و إيماءات الحروف لقد قدم الكاتب جلالة السلطان-حفظه الله وأيده- في كل الفقرات ليس كسلطان و حاكم لبلاد بل كإنسان في قمة الانسانية و رجل مصلح يعتلي عرش. ورغم أن الصورة النمطية تدفعك للاعتقاد أنك أمام نموذج يعدد منجزات عهد النهضة بالطريقة التقليدية المعتادة إلا أن الكاتب يشعرك طول فترة القراءة أنك تقرأ قصيدة لا تمل من تكرراها ليضعك أمام تحدي ماذا أضاف لي الكتاب؟ لتجد نفسك أمام كم هائل من المعلومات التاريخية و السياسية و الفكرية والأدبية ليس لجلالته فقط بل للتاريخ حيث ما كان وحل.

لقد قدم الكتاب جلالته كمصلح – وشتان بين مفهوم الاصلاح لدى الميكانيكون ومفهوم الاصلاح لدى المفكرون- لقد أكد الكاتب أن جلالته من المصلحين الذين يعني الاصلاح في أفعالهم عملا يتعدى مفهوم التطوير بحيث يصبح الاصلاح مرتبة أعلى بكثير ليصل لتلك الرتبة التي تليق بجلالته-حفظه الله وباركه- و التي تجعله مصلحا على العرش و ليس مصلحا للعرش و ليؤكد أن وجوده على عرش عمان هو رمز لبقاء واستمرارية عملية الاصلاح و انتصارا لها كلما دعا داعي لذلك.وليقول محظوظة هي تلك البلاد التي يعتلي سدة الحكم فيها مصلحا.ففي صفحة 247 من الكتاب يقول الكاتب " لم يكن العمل في محو الأمية بين السواد الأعظم من السكان وفتح المدارس لتعليم الجيل الناشئ مجرد اتجاه من اتجاهات التطوير التصاعد في عمان.وإنما درجة في سلم اصلاح النظام السياسي للبلاد" يضعنا هنا الكاتب في قلب الحقيقة وهي أن كل عملية تطوير في مجال معين ما هي إلى درجة واحدة في سلم الاصلاح الذي لن ينتهي فالمصلح –حفظه الله ورعاه- يعتلي العرش.
ويختم الكتاب بفقرة أقرب لكونها قصيدة "من استطاع بلوغ تلك الأهداف وقع عليه اختيار التاريخ ليكون زعيما و موجها و حكيما. وصارت الأجيال اللاحقة تفتخر بهؤلاء الزعماء و الحكماء،و باتت صورهم رمز للكرامة الوطنية و العزة و البطولة.وتمر القرون و السنون و العقود،ويمتع شعراء العصور القادمة أنظارهم بلوحات البحر المتكررة أبد الآبدين ويحدقون فيها ساعين لاكتناه مغزى الملحمة الشعرية اللامتناهية التي نظمها الموج،ويبحث الواحد منهم،مثلما نفعل نحن الآن،عن مفتاح أو سبيل يوصلنا إلى صورة الابن البار لهذه الأرض المعطاء،ذاك الذي غير معالمها و عدّل بناءها على تخوم الألفيتين الثانية و الثالثة...... "




[1] سرجي بليخانوف،مصلح على العرش:قابوس بن سعيد سلطان عمان،ص307

الأربعاء، 20 أبريل، 2011

ذهبوا وبقت أفكارهم

ذهبوا وبقيت أفكارهم؟!

عندما طالب الشباب بإقالة الوزراء السابقين و استجاب السلطان –حفظه الله ورعاه- لذلك و رغم أن المطلب لم يكن مطلبنا نحن ككُتاب لكنا جميعا صفقنا له و فرحنا به و أسماه الكثيرون من خارج عمان بأنه تطور و إدارة ناجحة للأزمة في عمان و وصف الكثيرون جلالته-حفظه الله- بأنه القائد الذي انتصر لشعبه.

أصل الخلاف بين أغلب الشعب العماني و بعضا من الوزراء السابقين المعنيين بالاقتصاد والتجارة و المالية هو خلاف حول أفكارهم وخططهم التي فرضت و يعتقد أنها ليست أولوية ،و دعوني أوضح عندما خرج الشباب لدينا يصدحون لا فلان و لا علان هم بلا شك لا يقصدون فلان الإنسان الذكي الطموح و لا علان ذاك النموذج للكفاح و الصبر و العصامية و لكن قصدوا السياسات التي ساهموا في صناعتها و تجاهلت ذاك المواطن العماني تلك السياسات التي اهتمت بالحجر و الشجر و التراب أكثر من اهتمامها بالشباب،ولكن ربما كشباب لم تصل الرسالة منهم بالشكل الصحيح و لم يتم فهمها ولذلك فالخطة الخمسية لم يطرأ عليها تغيّر جوهري سوى ما أضافته التوجيهات السامية لجلالته -حفظه الله ورعاه- وهنا يمكننا القول في ظل عدم الفهم بين الطرفين الشباب و الحكومة فاستعادة الثقة أمر عسير و لا يبشر سوى بالهدوء الذي يسبق العاصفة و الله المجير.

رغم أني سمعت و شاهدت كيف انهال بعض الشباب و الشابات على الوزير المسؤول عن الشؤون المالية من خلف الشاشة في حركة استغربت لها ليقول لي أحدهم ليتك شاهدتي ردة الفعل في المقاهي التي كان المؤتمر يتابع فيها بشكل جماعي فقد كان الجالسون يردون على معالي الوزير و يناقشونه ويسألونه و يتلفظون بألفاظ تعبر عن سخطهم و كأنه حاضرا لديهم أو كأنهم في المؤتمر و يروي لي كيف كان التفاعل جماعيا و صراخات التأييد تخرج مؤيدة للصحفي الذي تمنى أن يكون الإنسان العماني أغلى من الريال العماني،بل قيل أن أحد الشباب قام منفعلا ليقول مطالبنا قيد الدراسة و هذه خطة خمس سنوات ثم رمى الكرسي أرضا و ذهب يردد قيد الدراسة قيد الدراسة.

عندما عدت لموقع وكالة الأنباء العمانية لأعود للأرقام علني أجد تغييرا يبعث التفاؤل و يشعرنا كعمانيين أن الإنسان كفرد هو الأولوية أصبت بصاعقة وشككت في نظري وفي كل حواسي ولا أخفي عليكم بدأت أشعر بشيء من الضيق وأعذر من اتهمتهم يوما بلا عقلانية هل فعلا هذه هي خطتنا لمدة خمسة أعوام من عمر وطننا الغالي الذي نحلم جميعا أن غده أفضل من أمسه؟!

أهم شيء يمكن أن تقدمه للإنسان في أي مكان في العالم هو ما تقدمه له في مجال الصحة و التعليم و التدريب فدعونا نعود للمخصصات في هذا المجال و لنعرف هل للإنسان العماني في خطة من ذهبوا و بقت أفكارهم أهمية أم لا و لنقف عند سبب سخط الإنسان العماني عليهم:
لقطاع الصحة والتعليم والتدريب المهـني / متضمنة عدد 1000 منحة للدراسات العليا التخصصية بالخارج بتكلفة تبلغ / 1381 / مليون ريالا عمانيا فقط،و لقطاع الطرق والموانئ والمطارات بتكلفة/5760 / مليون ريالا عمانيا، و لقطاع البلديات الإقليمية والبيئة والصرف الصحي بتكلفة / 2279 / مليون ريالا عمانيا!!

هل شعر أحدكم بالدونية و الأسى كما شعرت لقد حصلت المطارات العمانية على أربعة أضعاف ما حصل عليه كل العمانيين لصحتهم و تعليمهم و تدريبهم بما فيها الألف بعثه التي أتت بتوجيهات سامية و لم يكن ينوى قبل ذلك منحها لهؤلاء العمانيين المغلوب على أمرهم هل يحزنكم كعمانيين ذلك، إليكم الأسوأ لقد حصل الصرف الصحي و البلديات على أكثر مما حصل عليه العمانيين للصحة و التدريب و التعليم بماذا أشعر كعمانية أرجو أن لا يسألني أحد.

للتغيير الحقيقي يجب أن يكون الاهتمام بالإنسان العماني هو الأولوية خاصة في مجال الصحة و التعليم فلماذا خطتنا الخمسية تتجاهل ذلك؟! ستأتي تلك المشاريع التي سميت عملاقة و سيؤتى لها بالعمالة الوافدة لأن تلك العمالة في أوطانها التعليم و التدريب أولوية و عندنا الصرف الصحي و المطارات لها نصيب الأسد ستشغل المطارات و الصرف الصحي وكل المشاريع و سيديرها أجانب و ستذهب أموالنا للخارج و سيقال لنا عجز في الميزانية هل تعرفون لماذا لأنّا نريد صناعة المشاريع قبل صناعة العقول؟ ولأننا جعلنا خدمة فئة محدودة مبلغ علمنا و كل همنا ولذلك فسنسير كما سار الآخرون على طريق لا نحبذه و لا نتمناه و لا مؤشرات حقيقية تبشر باستقرار حقيقي والحقيقية كثيرا ما تغضب وليس الهروب حلا فقد هربنا من مصطلح بطاله الذي أوجده الغرب لزيادة الإحساس بالمشكلة واستشعارها فقلنا باحثون و هربنا من كلمة إصلاح وقلنا تطوير و لازلنا نهرب من مشكلاتنا إلى أن نغرق فيها. ولأن الحديث يجر الحديث قبل سنين كنت أتشدق بأن كل الدول تأثرت تأثرا بالغا بالأزمة الاقتصادية العالمية و أن دبي التي يفاخر بها العرب كادت تنهار ماليا أما نحن فلم نتأثر لأن اقتصادنا يمشيء بنا على خطط مدروسة فجأني رد أغضبني حينها و لكني تذكرته الآن سؤال بسيط جدا وجه لي هل تأثر اقتصاد الصومال و جيبوتي بالأزمة الاقتصادية العالمية؟!


نريد اقتصاد حقيقي و لن يوجد هذا الاقتصاد إلا إذا استثمرنا الاستثمار الحقيقي الاستثمار الذي يجعل من التعليم و التدريب و الصحة أولوية للأسف الشديد اعتقدنا بروح متفائله تنتظر غد الوطن أن ربما نسمع عن تعديل في الخطة الخمسية تقوم فيه الدوله بتأجيل بعض المشاريع للخطط القادمة و تخصص أموال لإنشاء جامعات حكومية جديدة و كذلك ترفع الموازنة المخصصة لوزارة التربية و تضاعف المخصصات للخدمات الصحية،فتلك المشاريع بالامكان جدا وربما من الأنسب تأجيلها للسنين القادمة فمن المعيب لو كنا نفقه أن تحفظ صفحات التاريخ أن أكبر موازنة في التاريخ العماني بعد أربعين عاما كان نصيب المواني و المطارات و حتى الصرف الصحي و البلديات أكثر من نصيب كل الشعب العماني من التعليم و التدريب و الصحة و لكن يبدو أنهم ذهبوا و بقت أفكارهم.

ملاحظة: لو قرر الوزراء الجدد –وزراء الشعب- أن تكون لهم كلمه ليقولوا و يطلبوا من الحكومة أن تمنحهم الفرصة في رسم السياسات الجديدة ولو قرروا أن يصروا على ذلك و يستخدموا كل وسائل الاحتجاج المشروعة فسينضم الشعب لهم وسينتصر لهم جلالته فقط فليثبوا جديتهم وليقدموا رؤاهم أو فالأشرف لهم تقديم استقالتهم بدلا من تنفيذ خطط عارضوها كثيرا عندما كانوا ممثلي الشعب.

الأربعاء، 13 أبريل، 2011

الأجهزة الأمنية (الاستخباراتية)

الاجهزة الأمنية خاصة غير العسكرية منها -الاستخباراتية- هي صمام الأمان لأي دولة، ولذلك نجد تلك الأجهزة في دول العالم المتقدم تستقطب من شرائح المجتمع العقول الخلاقة لتمد أجسادها بالقوة و تصبح حصن الدول الحصين، و عندما نقول الدول نقصد الحكومات و الشعوب، و أكثر ما تعتمد عليه تلك الدول البحوث العلمية الميدانية، لذلك نجد الكثير من أشهر المراكز البحثية في أمريكا و بريطانيا و كندا وروسيا يقال بأنها تتبع لوكالات الاستخبارات في دولها أو تنفذ برامج بحثية معينة لتلك الدول، بل هناك مواقع إعلامية و قنوات فضائية و مطاعم و قهاوي تابعة لتلك الأجهزة، و يقال أن فكرة المنتزهات التي يقول فيها المرء ما يريد دون حسيب أو رقيب هي فكرة أمنية قصدت منها الأجهزة الأمنية الحصول على المعلومة بشفافية مطلقة.

الدول العربية للأسف الشديد تصرف الميزانيات الضخمة في تسليح أجهزتها بالعدة العسكرية في المقابل تهمل كثيرا مقدار ما تصرفه لتجعل من تلك الأجهزة مواكبة للعصر في طريقة التعامل و التعاطي مع المعلومة تحليلا و توظيفا و فهما لأسلوب العصر، ولذلك نستطيع أن نعمم و نقول لقد فشلت أجهزة الاستخبارات العربية جميعها في توفير رؤية صحيحة لبقية الأجهزة الأمنية -العسكرية- في كيفية التعاطي مع الأزمات الحالية التي تمر بها الحكومات العربية. فحسب ما تم تناقله فهناك ما يقارب من مليون نسمة منتسبين بطريقة أو بأخرى للاستخبارات المصرية، وإن كنت أجزم بأن هذا الرقم مبالغ به بشكل كبير لكنه إن دل على شيء إنما يدل على أن عدد المنتسبين لهذا الأجهزة عدد كبير جدا ولكن عندما اختبروا اختبارا حقيقيا اثبتوا انهم دون المستوى، فيا ترى أين يكمن الخلل؟!
ربما الخلل ناتج عن عدد كبير من الأسباب و لكن من أبرزها:
-طريقة اختيار المنتسبين بحيث لا يعتمد على المواهب الفطرية.
-توقفها عن استقطاب الخصوم و تحويلهم لعملاء.
-وقوعهم في مصيدة الشائعات.
-اعتماد اساليب قمعية بدائية.
-نقص الموازنات المالية غير العسكرية.
اعتمد العرب في تكوين الأجهزة الإستخباراتية على أن يضم المنتسبين الفعالين على جماعة الولاءات القديمة، بمعنى إذا كان أبي يعمل في أحد أجهزة الاستخبارات فقد أكون أنا أيضا عضوا في هذا الجهاز حتى و إن كنت لا أملك من المؤهلات الفطرية و القدرات الفردية ما يؤهلني لذلك بل قد أترقى و أصل لمناصب عليا و أرسم سياسات فقط لأن أبي رسم يوما سياسات في هذا الجهاز. فأصبحت تلك الأجهزة أشبه بالشركات المساهمة المغلقة و نأت بنفسها عن البحث الجاد عن العقول النيرة التي قد تخدم و تبث الحياة في تلك الأجهزة، وشيئا فشيئا دب فيها الوهن و شاخت فلم تعد تعي العصر الذي تعيش فيه و لا تفهم الأجيال التي تتعامل معها.
هناك لكل دولة من شعبها خصوم فكريون لا يتفقون مع ما تطرحه الحكومات من رؤى و برامج و يختلفون معها للحد الذي يصبحون فيه معارضين رسميين لها، و رغم أن هذه الظاهرة ظاهرة طبيعية موجودة في كل المجتمعات و المجتمع الشاذ هو المجتمع الذي لا يوجد به معارضون و موالون حيث سنه الله في الكون الاختلاف، لكن أجهزة الاستخبارات الذكية هي التي تحاول استقطاب المعارضين للانتساب لها ذلك لأنها تعي أن هناك فرقا بين المعارضة و التمرد و الثورة فتنسب عددا منهم لأجهزتها حتى تقدم للحكومة خارطة بها كيف يفكر هؤلاء؟ و ماذا يريدون؟ وماذا يرضيهم؟ وما هي الطريقة المثلى للتعامل معهم؟ بل في داخل الجهاز نفسه يكون هناك من يحلل أفكار ورؤى أولئك المعارضين المنتسبين للجهاز بل يصبح أولئك المعارضين فكريا و المنتمين وظيفيا لتلك لأجهزة فعالين جدا فيما لو حاولت المعارضة أن تتحول لتمرد و هم أساسا ليسوا عسكريين و لا منتمين انتماء مطلق للحكومات -بحكم الخلفية الفكرية التي ينتمون إليها- و عليه سيقدمون حلولا وسطا تنطلق من فهم للجميع و انتماء للطرفين و هي بحد ذاتها تعمل على ايجاد الحل السريع الذي يمنع تفاقم الأزمات داخل الدول.
الشائعات هي تلك الوسيلة التي اعتمدت عليها و تعتمد أغلب أجهزة الاستخبارات العالمية و لكن مشكلة الاستخبارات العربية أنها هي التي تصدق الشائعات لا الشعب المراد منه ذلك، بمعنى تطلق العديد من الشائعات التي القصد منها تحقيق هدف معين و من ثم يدخل منتسبي الجهاز لمكان اطلاق الشائعة سواء أكان عالما حقيقيا أم افتراضيا ليؤكدوا عليها ولكثرة عدد المنتسبين و عدد الصامتين من الشعب تروج تلك الاشاعة في أفواههم فتضلل تلك الأجهزة نفسها و الحكومات التي تعمل على خدمتها، فتبني خططها على أساس شائعات هي من أطلقتها لا على معلومات حقيقية فتبوء بالفشل.
من سوءات تلك الأجهزة أيضا اعتمادها على اساليب قمعية بدائية تعتمد على الأذى الجسدي متناسية أن العالم تطور و أن الحرمان من الثواب عقاب أشد أذى، كما أن الأساليب الخفية للعقاب أشد فعالية فبدل أن تستخدم اساليب خفية تجاهر بطرق بدائية قمعية من تصفيات جسدية، متناسية أنها في عصر نسبة التعليم و الذكاء فيه عالية جدا، كما أن مفهوم حقوق الانسان مفهوم عالمي وفردي مقدس فتعمد على الترهيب المباشر للأشخاص متناسية أن أصابع الاتهام ستتوجه لها حتى و إن كانت بريئة من ذاك الفعل. لذلك بعد كل عملية قمعية تزداد شعبية المقموعين و تصنع تلك الأجهزة منهم أبطالا و هم قد لا يستحقون البطولة و لأنها أيضا تطلق الشائعات و تصدقها توهم نفسها بأنها استخدمت الوسيلة الناجحة.
أيضا لا توفر الحكومات لتلك الأجهزة الموازنات المالية الكافية بحيث يصبح لها وجه حضاري و قاعدة صلبة لتوفير الخدمات اللوجستية لبقية الأجهزة الأمنية العسكرية فلا توفر لها مراكز أبحاث و قنوات تلفزيونية و لا تستقطب لها باحثين مرموقين و إعلاميين مؤثرين و شبابا قيادين، لأن ذلك يكلف الكثير من الأموال و يحتاج لموازنات ضخمة وهو الأمر الذي لا توفره الحكومات العربية لأجهزتها الاستخباراتية، و ربما على الموجودين على الهرم الإداري لتلك الأجهزة السعي بجد لإقناع الحكومات بأن العصر تغيير ويقفز قفزات نوعية وعليهم مواكبة العصر و تحديث أجهزتهم قبل أن تلفظها الأمواج

الأربعاء، 6 أبريل، 2011

المعالجات الخاطئة و خطورة التصعيد في ظفار

منذ بداية الاعتصام تعامل الحكومة في المقام الأول هو الذي حافظ على سلمية الاعتصام ورسخ تجديد الولاء و جعل الاعتصام في ظفار أقرب للنادي الثقافي و لكن للأسف الشديد ما يجري في هذا الأسبوع بات مختلفا تماما لازلت أقول يبدو أن من سلموا ملفات المعالجة لا يدركون طبيعة المرحلة।ولا بد من القول بدايةً كان جدا جدا جدا موفقا مبعوث جلالة السلطان-حفظه الله وأبقاه- فقد جاء في التوقيت المناسب و في الوقت الذي كانت فيه المعالجات الخاطئة ستقود ربما لتكرار سيناريو صحار لدينا أعادنا لجو وطني حضاري و عدل المعتصمون عن فكرة إغلاق مكتب المحافظ و تعهدوا لمعالي الشيخ أن يبقوا و يحافظوا على سلمية الاعتصام. بعد مغادرة معالي الشيخ مصحوبا بالتوفيق و الخير و تاركا جوا من التفاؤل و الارتياح،قام و هنا سأكون أكثرا وضوحا بعضا من هواة الظهور و الزعامة بمحاولة لتكرار سيناريو صحار و مكتب المحافظ وجهاز الأمن الداخلي هنا يلامان إذا صمتا على مثل هكذا معالجة ستقود البلاد لصحار جديدة أشد عنفا و أكثر وفرة في السلاح نعم أكثر وفرة في السلاح حتى وإن كان بدائيا و أكثر حده في الغضب و يؤسفني جدا أن لا نستفيد من تجاربنا بمعني لقد ذكرت في مقالي السابق أن ما نمر به مناخ لا عقلاني و المخرج منه فقط الاستفادة من المعطيات السابقة و بطريقة أكثر وضوح مشكلة صحار الأساسية في اعتقادي هي انقسام مجموعة المعتصمين إلى ثلاث مجموعات مجموعة أعلنت انسحابها من الاعتصام و مجموعة أخرى أعلنت بقاءها في الإعتصام السلمي و مجموعة ثالثة أعلنت أنها مع نهج التخريب،حقيقة لا أعلم ما الذي دفع لذلك الانقسام في صحار ولكن ما أشاهده بأم العين في ظفار أن المعالجات الخاطئة التي قام بها البعض و تمثلت في انتقاء مجموعة من المعتصمين بحيث أقنعوا البعض فكريا بضرورة فك الاعتصام و وعدوا البعض بوظائف مقابل فك الاعتصام،وطلبوا من البعض إصدار بيانات تقدم على أنها بيانات المعتصمين الأوائل وأنهم قرروا فض الاعتصام و حسب ما نقل لي فقد وجه أحد الشيوخ لمن وصفوهم أو وصفوا أنفسهم ربما بأوائل المعتصمين استفسار حول العريضة "عريضة نداء الخير" فأجابوه بأنهم لا يعلمون كيف صيغت ومن صاغها و كيف تشكلت الفكرة و من هم نواة أول اعتصام في السلطنة إعتصام 25/فبراير فأردف بأنهم أنضموا للاعتصام منذ اليوم الأول و لكنهم لا يعلمون كيف أتت الفكرة!! وهكذا من أول وهلة شكك الحضور التواقين لمعرفة أصحاب نداء الخير في مصداقية ما يقال و حسب ما علمت شعر عدد لا يستهان به ممن أنضم لأصحاب الألقاب أنهم خذلوا زملائهم المعتصمين و أنهم بمفهوم الشباب جبنا مغفلين فودعوا الطرفين تركوا المعتصمين حيث لم يعد لهم بينهم مكان وكذلك تركوا المنسحبين لأنهم باتوا يكنون لهم مشاعر الكراهية. وانقسم بفعل ذلك المعتصمين الباقين في الاعتصام إلى مجموعتين مجموعة تقول أن لا حل سوى بالانتقام ممن أعلنوا علينا العداء و شككوا في صدق وطنيتنا و انتمائنا وأن سنحرق بيوتهم و مكاتبهم و وزاراتهم كما أحرقوا أعمارنا و سفهوا أحلمنا ورؤانا، ومجموعة أخرى ترى أن الخروج على السلمية خروج عن النهج الصحيح ويستدعي التبرؤ من أصحاب الأفكار المتطرفة، وهنا السيناريو يتكرر الحكومة لا تعلم من سلمي و من مخرب كما لا تعلم من انسحب و هو يشعر بأنه خذل أصدقاءه وضحك عليه و من لم يعتصم أصلا أو من انسحب من محض قناعة وهنا سيكمن الخطر الكبير.لو قررت الحكومة إلقاء القبض على المعتصمين بعد اشتعال أعمال العنف ستأخذ المخرب و السلمي حتى تتأكد وتتبين ولكن أولائك الذين يشعرون بالخزي من انصياعهم لأصحاب الألقاب سيظهرون مطالبين بالإفراج عن زملائهم وهكذا ستشهد ظفار 27/فبراير و 1/ابريل آخرين بالخصوصية المناطقية هذه المرة و الله المستعان. لكن بلا شك فالعقلاء في الأجهزة الأمنية وعليهم نعول الكثير بالطبع سيتدخلون لوقف تكرر السيناريو مستفيدين من اطلاعهم الكامل على التجربة السابقة و سيمنعون حدثوا الانقسامات المعلنة من أراد أن ينسحب فلينسحب ولا داعي لأن يعلن ذلك للحكومة و للناس و لا حاجه لإصدار البيانات و كأنهم أصبحوا دولة داخل الدولة و ليته يمنع نهائيا أن يصدر أي طرف كان من كائن بيانات أو إعلانات ذات طابع سياسي وعلى المنسحبين أن يعودوا لبيوتهم دون ضجيج -إذا كانوا فعلا صادقين في حب الوطن- و ليضربوا المثل الأفضل لزملائهم فالوطن لا يحتمل المزايدات و أول ما نحتاج إليه حاليا وطنيون حقيقيون و لذلك فعلى بعض من الشيوخ التوقف عن اجتهاداتهم الحمقاء وكذلك على المثقفين المتواجدين عند مجلس الشورى و الذين دأبوا أيضا على إصدار البيانات التي تتجاهل مطالب البسطاء و أحلامهم لتخرج بصيغ سياسية أن يعلموا أن الوقت أمامهم طويل إذا كانوا ذوي رؤية أما الآن فليتوقفوا عن تصدير بياناتهم و لينسحبوا بهدوء و ليتركوا الشباب ليعبروا عن صوتهم ومطالبهم لا عن أحلام الناشطين و المثقفين و الكُتاب ولهم جميعا يجب أن يقال يكفي فقد عرف التاريخ الكثيرين ممن يقولون للفقير إحني ظهرك إني أريد أن أرتقي فلا تكونوا منهم و كفوا عنا خطبكم و بياناتكم.



video


الفيديو: يوم أمس من أمام مكتب المحافظ في حالة سخط وغصب من المعتصمين على المعالجات الخاطئة و التي يقولون أنها تتم بعلم كبار الموظفي في مكتب المحافظ و لأول مرة يلوح بعصى في الاحتجاج.