الخميس، 14 أكتوبر، 2010

الحلقة الثامنة من الشعر حين يغنى:
الفيلسوف/عمر الخيام
"رباعيات الخيام
أم كلثوم"


موسيقى خافته جدا للاغنية .... تستمر طوال فترة الحوار لا يقطعها إلا مقاطع الأغنية...

المذيعة: مرحبا أيهم ماذا تقرأ؟

المذيع:مرحبا عذوبة،كما ترين أقرأ رباعيات عمر الخيام،هل سبق لكِ قرأتها؟!


المذيعة:أما قراءتها فحقيقة لم أقرءاها ولكني سمعت بصوت أم كلثوم تلك المقاطع التي غنت منها.

المذيع: سمعتي و الرباعيات التي ترجمها أحمد رامي للعربية قد بدأت أيضا بكلمة سمعتُ (ويضحكان المذيع والمذيعة)

المذيعة:
سمعتُ صوتاً هاتفاً في السحر
نادى من الغيب غفاة البشر
هبوا املأوا كأس المنى
قبل أن تملأ كأسَ العمر كفُ الَقَدر

المذيع:-
لا تشغل البال بماضي الزمان
ولا بآتي العيش قبل الأوان
واغنم من الحاضر لذاته
فليس في طبع الليالي الأمان

غَدٌ بِظَهْرِ الغيب واليومُ لي
وكمْ يَخيبُ الظَنُ في المُقْبِلِ
ولَسْتُ بالغافل حتى أرى
جَمال دُنيايَ ولا أجتلي
(المقطع السابق من الأغنية بصوت أم كلثوم)

المذيع:هل تعرفي يا عذوبة أن القراءة تختلف كثيرا عن السمع،فأم كلثوم نقلت لنا بصوتها من رباعيات الخيام ذاك الجانب التائب الشاعر بتأنيب الضمير و المتضرع لرب العالمين يطلب المغفرة و الرحمة.

المذيعة: ماذا تقصد أليست ما غنته أم كلثوم هي ذاتها رباعيات الخيام التي ترجمها أحمد رامي عن اللغة الفارسية؟!

المذيع:.بلى هي من رباعيات الخيام،ولكن الخيام في رباعياته يظهر لنا النفس البشرية تلك النفس الأمارة بالسوء التي تريد مفاتن الحياة،ومن ثم يظهرها بجانبها الأخر المتضرع لله والطالب للمغفرة والرحمة،فمثلا في رباعيات الخيام ظهر الخمر في كل أبياتها التي تتعلق بالحياة وغرورها المحبب للأنفس الضعيفة،ولكن أم كلثوم رفضت أن تغني تلك الأبيات التي تنقل صور ترسخ تَعلُق الأنفس بالخمر،فكما يقال أن كوكب الشرق التي ترفض أن تغني في مكان يدار فيه الخمر رفضت أيضا تلك الأبيات خوفا من أن تفهم على أنها تروجيا لغرور الدنيا ونقلت رباعيات الخيام في صورتها الدينية المبتهلة .

المذيعة: لقد كنت أحسب أن رباعيات الخيام نوعا من أنواع التضرع والإبتهال الديني.
المذيع: لا ياعذوبة بل هي أكثر من مجرد ذلك،إنها ملحمة فلسفية لفيلسوف فارسي مسلم، لقبه العرب "بالحكيم" كما لقبه الأوروبيون "بملك الحكمة"، وهو غياث الدين أبو الفتوح عمر بن إبراهيم الخيام المعروف بعمر الخيام والمولود في مدينة نيسابور فی ايران ما بين 1038 و1048ميلادي، وتوفي فيها ما بين 1123 و1124ميلادي، حيث لا يوجد تحديد دقيق لمولده أو وفاته،و الخيام هذا يا عزيزتي لقب و الده الذي تلقب به من مهنته و هي صناعة الخيام.

المذيعة: وهل هو ذاته يا أيهم عالم الرياضيات الشهير؟!

المذيع: نعم ياعذوبه فهو فيلسوف وشاعر فارسي تخصص في الرياضيات، والفلك، واللغة، والفقه، والتاريخ.

المذيعة: ولكن اسهاماته في الرياضيات كانت كبيرة جدا،حيث ترجع شهرته إلى عمله في الرياضيات لكونه حلَّ معادلات الدرجة الثانية بطرق هندسية وجبرية. كما نظم المعادلات وحاول حلها كلها، ووصل إلى حلول هندسية جزئية لمعظمها. وقد بحث في نظرية ذات الحدين عندما يكون الأس صحيحاً موجباً، ووضع طرقاً لإيجاد الكثافة النوعية. ولم ينبغ الخيام في الرياضيات فحسب، بل برع أيضاً في الفلك. وقد طلب منه السلطان "ملكشاه" سنة 467هـ/1074م مساعدته في تعديل التقويم الفارسي القديم. ويقول "سارطون" إن تقويم الخيام كان أدق من التقويم الجريجوري،وصار تقويمه هو التقويم الفارسي المتبع اليوم.

المذيع:وليس هذا فقط بل إنه أوّل من اخترع طريقة حساب المثلثات ومعادلات جبرية من الدرجة الثالثة بواسطة قطع المخروط، وهو أول من أستخدم الكلمة العربية "شي" التي رسمت في الكتب العلمية الإسبانية (Xay) وما لبثت أن استبدلت بالتدريج بالحرف الأول منها "x" الذي أصبح رمزاً عالمياً للعدد المجهول، وقد وضع الخيام تقويما سنوياً بالغ الدقة، وقد تولى الرصد في مرصد أصفهان
المذيعة: و ماذا عن الرباعيات يا أيهم؟

المذيع: قبل العودة للحديث عن الرباعيات سنستمع لمقطع منها بصوت أم كلثوم
(مقطع من الرباعيات)

المذيع: الرباعيات هي عبارة عن مقطعات من أربعة أشطار، الشطر الثالث مطلق بينما الثلاثة الأخرى مقيدة، وهي تعرف باسم الدوبيت بالفارسية، وقد ألفها بالفارسية رغم أنه كان يستطيع أن يصوغها بالعربية. كان في أوقات فراغه يتغنى برباعيات في خلوته، وقد نشرها عنه من سمعها من أصدقائه، وبعد عدة ترجمات وصلت لنا كما نعرفها الآن. ويرى البعض أنها لاتنادى إلى التمتع بالحياة والدعوة إلى الرضا أكثر من الدعوة إلى التهكم واليأس، وهذه وجه نظر بعض من الناس، وقد يكون السبب في ذلك كثرة الترجمات التي تعرضت لها الرباعيات، بالإضافة إلى الإضافات، بعد أن ضاع أغلبها. ومن جهة أخرى هناك اختلاف على كون الرباعيات تخص عمر الخيام فعلا، فهي قد تدعوا بجملتها إلى اللهو واغتنام فرص الحياة الفانية، إلا أن المتتبع لحياة الخيام يرى أنه عالم جليل وذو أخلاق سامية، لذلك يعتبر بعض المؤرخون أن الرباعيات نسبت خطأ للخيام و ممن يذهبون لهذا القول المستشرق الروسي زوكوفسكي فرد 82 رباعية إلى أصحابها فلم يبقى إلا القليل الذي لم يعرف له صاحب، وعموما الرباعيات المتداولة في شرق الأرض و غربها نسبت إلى عمر الخيام. التي في إحداها يقول:

يا نفس ما هذا الأسى والكدر
قد وقع الإثم وضاع الحذر
هل ذاق حلو العفو إلا الذي
أذنب والله عفا واغتفر

المذيعة: وماذا تفسر يا أيهم كثر الدعوى للمتع المحرمة التي ظهرت في الرباعيات التي بين يديك؟!

المذيع: لا أجد لها إلا ما أجده في النفس البشرية الخطاءة،وكما يقال خير الخطائين التوابين،فالشاعر الفيلسوف جسد لنا حالة النفس الآثمة التائبة تغني للحياة وتتعلق بزيفها ثم تتضرع لله طالبة للمغفرة.
فهو مثلا يقول في رباعياته بصوت النفس الأمارة بالسوء مصورا بعض و ساوسها :
فلا تتب عن حسو هذا الشراب
فإنما تندم بعد المتاب
وكيف تصحو وطيور الربى
صداحة و الروض غض الجناب
ثم يأتي ليقول بصوت الفطرة العائدة لله

زخارف الدنيا أساس الألم
وطالب الدنيا نديم الندم
فكن خَلِي البال من أمرها
فكل ما فيها شقاء وهم





المذيعة: إن الرباعيات مليئة بالحكمة والفلسفة الصوفية رغم أن البعض أتهم صاحبها بالكفر والزندقة،ومما غنت له أم كلثوم
أولى بهذا القلبِ أن يَخْفِقا
وفي ضِرامِ الحُبِّ أنْ يُحرَقا
ما أضْيَعَ اليومَ الذي مَرَّ بي
من غير أن أهْوى وأن أعْشَقا

المذيع: هل تعلمين يا عذوبه أن الغرب سبقنا إلى ترجمة رباعيات الخيام بل إن كثيرا من الترجمات العربية والتي ظهر جُلها في الستينات من القرن المنصرم نقلت عن الانجليزية أو الفرنسية،وربما ترجمة أحمد رامي هي الوحيدة التي نقلت عن الفارسية؟

المذيعة: نعم فقد اعتبر بعض النقاد ان ادوارد فيتزجيرالد المولود(1809 ــ والمتوفي في عام 1883) من أهم الشعراء الانجليز في القرن التاسع عشر, ليس لانه كتب شعراً, وانما لانه ترجم رباعيات الخيام بلغة شعرية عالية, توازي اللغة الشعرية الفخمة في الشعر الكلاسيكي الانجليزي في العصر الفيكتوري وما قبله. وقد نشر فيتزجيرالد ترجمته بأسلوبين مختلفين: احدهما كان الترجمة النثرية الحرفية التي التزمت بالمضمون الدقيق للنص وافكاره وصوره, والثاني كان الترجمة الشعرية التي ترصد المضمون وتضعه في قالب الشعر الانجليزي الكلاسيكي المألوف الذي يميل إلى الفخامة والبلاغة والغنائية العالية, ويمكن للقارىء ان يختار من هذين النصين ما يريد, لان النص الشعري لا يخلو من التصرف احياناً, بضرورة الشعر, كما يقولون, وكان عدد الرباعيات في ترجمة فيتزجيرالد مئة وخمس رباعيات.
(مقطع من الرباعيات)


المذيع: ولقد ظهرت في رباعيات الخيام حيرة الفيلسوف المتفكر في الكون و الخلق و القضاء، ومنها قوله:

أفنيت عمري في اكتناه القضاء
وكشف ما يحجبه في الخفاء
فلم أجد أسراره وانقضى
عمري وأحسست دبيب الفناء
المذيعة:
أطال أهل الأنفس الباصرة
تفكيرهم في ذاتك القادرة
ولم تزل يا رب أفهامهم
حيرى كهذي الأنجم الحائرة

المذيع:
لم يجن شيئا من حياتي الوجود
ولن يضير الكون أني أبيد
واحيرتي ما قال لي قائل
ماذا اشتعال الروح كيف الخمود


المذيعة: أكثر ما أعجب له يا أيهم هو كيف استطع عمر الخيام أن يتفرغ لكل هذه الصنوف العلمية المختلفة من شعر وفلسفة ورياضيات و فلك وغيرها؟!

المذيع: حسب الروايات المتناقلة فإن سر ذلك التفرغ تعود لقصة الزملاء الثلاثة و الذي الخيام أحدهم فهذه القصة تقول أن :
اجتمع ثلاثة من الطلاب الدارسين لدى الامام موفق الدين النيسابوري في جامعة خراسان وهم عمر الخيام ونظام الملك والحسن بن الصباح, وكانوا يراجعون دروسهم في غرفة خاصة, وهم يدرسون العلوم الدينية واللغة والهندسة والرياضيات والمنطق والعلوم واللغة الإغريقية والفلك.

وفي احد الأيام قال الحسن ابن الصباح: دعونا نتعاهد على ان من يصل إلى الوزارة من بيننا نحن الثلاثة يساعد صديقيه الآخرين على الوصول إلى المراكز العالية.
ومرت الايام وصار نظام الملك وزيراً في بلاط الب شاه, فزاره الصديقان القديمان عمر الخيام والحسن بن الصباح, ولكن الخيام لم يطلب مركزاً في البلاط, ولكنه كان يريد الاهتمام بأعماله العلمية, فلبى له نظام الملك رغبته وحدد له منحة سنوية بألف ومئتي مثقال ذهبي, ومن هنا تفرغ الخيام للعلم و الحكمة و تكفله صاحبه الوزير.

المذيعة: و يذكر فيتزجيرالد في مقدمته نقلاً عن كتاب (جهار مقاله) ــ اربع مقالات للخواجة النظامي السمرقندي, الذي كان تلميذاً للخيام, انه كثيراً ما كان يناقش استاذه الخيام في أمور مختلفة, وسمعه في احدى المرات يقول: سيكون قبري في مكان تهب عليه النسائم الشمالية وينتشر فوقه الورد والزهر, وكان النظامي يستغرب ما قاله الخيام, ومرت سنوات طويلة, وسمع النظامي عن موت الخيام فعزم على زيارة قبره في نيسابور بعد ثلاثة عشر عاماً من موته, فوجد قبره إلى جانب سور حديقة مهجورة, فتدلت أغصان الاشجار فوق القبر ونثرت عليه من ثمارها وازهارها حتى غطت احجاره.

المذيع:
يا من يحار الفهم في قدرتك
وتطلب النفس حمى طاعتك
أسكرني الإثم و لكنني
صحوت بالآمال في رحمتك
المذيعة:
لقد كان محمد السباعي يا أيهم من أوائل الذين عربوا الرباعيات نقلا عن الانجليزية ولكن تعريب أحمد رامي لها كان الأشهر للغة رامي الشعرية الرقيقة و القريبة جدا من المعنى الأصلي و لأنها تغنت بعضا منها كوكب الشرق بعد أن لحنها رياض السنباطي.
المذيع:
إذا انطوى عيشي وحان الأجل
وسد في وجهي باب الأمل
قرّ حباب العمر في كأسه
فصبها للموت ساقي الأزل

المذيعة:
إن لم أكن أخلصت في طاعتك
فإنني أطمع في رحمتك
و إنما يشفع لي أنني
قد عشت لا أشرك في وحدتك

(مــقطع من الأغـــنية)

المذيع: إن الروح الشفافة المتعلقة برب العالمين وبرحمته رغم كل أخطائها و آثامها تناجي الله و تطلبه العون وهذا ما نجده في رباعيات الخيام،فهو يقول

يا رب هيئ سبب الرزق لي
ولا تذقني منة المفضل
وأبقني نشوان كيما أرى
روحي نجت من دائها المعضل

المذيعة: وليس هذا فقط يا أيهم بل تجد تلك النفس الحائرة التي ضاقت ذرعا بأنها سجينه ماء وطين فهو يقول:


المذيع:
قلبي في صدري أسير سجين
تخجله عشرة ماء وطين
وكم جرى عزمي بتحطيمه
فكان ينهاني نداء اليقين

أفنيت عمري في ارتقاب المنى
ولم أذق في العيش طعم الهنا
وإنني أشفق أن ينقضي
عمري وما فارقت هذا العنا

المذيعة: ومن مآثر الخيام العلمية غير الرباعيات كثيرة باللغة الفارسية في الشعر والفلسفة والرياضيات والفلك و للأسف فقد ضاع أغلبها،كما له باللغة العربية عدة مؤلفات مثل : "شرح ما أشكل من مصادرات كتاب أقليدس" ؛ "الاحتيال لمعرفة مقداري الذهب والفضة في جسم مركب منهما"، وفيه طريقة قياس الكثافة النوعية ؛وكذلك "رسالة في الموسيقى"،وقد عاش هذه العالم الفيلسوف حياة الحيرة وأخرج للعالم كما هائل من الإبداع البشري،كما عانى في حياته وبعد وفاته من الحيرة و ما سببت له من تهمٍ متناقضة بين زهدٍ وإيمان وزندقة وكفر.

المذيع:
مصباح قلبي يستمدّ الضياء
من طلعة الغيد ذوات البهاء
لكنني مثل الفراش الذي
يسعى الى النور وفيه الفناء

(الأغنيـــــــــة)
نهاية الحلقة الثامنة